لا شك أن فلاديمير بوتين هو الرئيس الروسي الأكثر شهرة والأكثر حضوراً على المسرح الدولي، بعد نهاية الحقبة الشيوعية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991. وإذا كان يحظى أيضا بشعبية كبيرة لدى الروس عموماً، فإن علاقاته مع منطقة القوقاز تتسم بقدر كبير من الحساسية.
والصحافي الفرنسي ريجيس جينتي، المقيم في تبيليسي، عاصمة جيورجيا، منذ أكثر من عشر سنوات، ويغطي أخبار منطقة القوقاز لعدّة وسائل إعلام فرنسية، يكرّس كتاباً صدر أخيراً، لدراسة العلاقة بين "بوتين والقوقاز"، كما جاء في عنوانه.
من الوجوه الهامّة في هذا الكتاب، دوره الكبير في التعريف بمنطقة القوقاز "الساحرة"، كما يصفها المؤلف، ذلك من حيث جغرافيتها وبعدها التاريخي. وفي الحالتين، أثر ذلك على علاقاتها مع روسيا. ويشرح المؤلف في كتابه، الرهانات التي تمثّلها تلك المنطقة بالنسبة للروس.. وكذا بالنسبة للسكان المحليين.
يبين المؤلف أن "لعبة كبرى" جديدة ترتسم معالمها في القوقاز، حول مصادر الطاقة، من نفط وغاز. إذ ترى بهما روسيا مصدر تغذية متميّزاً لخزينتها. ويعود المؤلف في معلوماته التاريخية، إلى قرنين ماضيين، مع التوقف عند منعطفات هامّة، يكرّس لها عددا من صفحات الكتاب.
ويكتب ريجيس جينتي بإسهاب وتفصيل، عن "الاحتلال الروسي لمنطقة القوقاز" وعن "تهجير شعوب كاملة من المنطقة في ظل حكم جوزيف ستالين". وكذلك عن موضوعات أخرى عديدة في السياق. ويقدم المؤلف نوعا من التحليل للواقع الروسي، حاليا، كما يبدو في "المرآة القوقازية".
إحدى نقاط الانطلاق التي يعتمدها المؤلف في تحليلات الكتاب، تتمثّل في افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في "سوتشي" ضمن روسيا، بالقرب من أبخازيا، والتي تتصادف مع الذكرى 150 للانتصار النهائي للإمبراطورية القيصرية على القوقاز، بعد معارك استمرّت نصف قرن من الزمن.
يلاحظ جينتي أن الفترة السابقة لافتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية، عرفت موجة من الاغتيالات التي استهدفت ممثلين عن الدولة الروسية، كون تلك الألعاب: "ألعاب بوتين". هو الذي أراد تنظيمها في موقع غير بعيد عن المنطقة الشيشانية "ذات النزعة الاستقلالية"؛ وتنظيمها تحديدا بأموال الأغنياء الجدد، الذين تسلّقوا حول السلطة، التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.. ويرى المؤلف أن اختيار موقع الألعاب الأولمبية يحمل رسالة مضمونها تسجيل "انتصار جديد" لـبوتين ولنظامه، على من يرفضون الخضوع الكامل لسلطته من القوقازيين.
ويستعرض المؤلف ما يسميه "العلاقات الخاصّة" بين فلاديمير بوتين ومنطقة القوقاز، التي تشكل "ممرّاً" للإمبراطوريات الكبرى منذ قرون، مشددا على أن منطقة القوقاز لعبت دورا مركزيا بالنسبة لبوتين. ويذكر أنه عندما وصل إلى السلطة العليا، لم يتردد، بعد أشهر، في شن الحرب الشيشانية التي كان يلتسين وحاشيته، قد اتخذوا القرار بشأنها.
كذلك يؤكّد جينتي أن الشعوب القوقازية المعنية، لم تقبل الانصياع بصورة كاملة لـ "النير الاستعماري" الروسي. لكن بوتين لم يتردد في اللجوء إلى العنف، واعتباره عنفا "مشروعا" باسم المصالح الروسية الاستراتيجية الروسية العليا، ولصدّ "الخطر القادم من المتطرفين القوقازيين".
ويخلص المؤلف إلى أن روسيا لا تطمح بالدرجة الأولى إلى الحصول على ثروات القوقاز. لكنها تريد من خلال القوقاز أن تخدم استراتيجيات نفوذها في "اللعبة الكبرى" القديمة.. والجديدة. هذا مع فارق كبير هو أن عبأها غدا ثقيلاً وكلفته غالية.
المؤلف في سطور
ريجيس جينتي. صحافي فرنسي مستقل. يقيم منذ أكثر من عشر سنوات، في تبيليسي عاصمة جيورجيا. يغطي، من موقعه هناك، أخبار منطقة القوقاز لعدّة وسائل إعلام مكتوبة ومرئية ومسموعة، من بينها صحيفة "لوفيغارو" وقناة "فرنسا 24" وإذاعة فرنسا الدولية.
الكتاب: بوتين والقوقاز
تأليف: ريجيس جينتي
الناشر: بوشيه وشاستيل - باريس- 2014
الصفحات: 208 صفحات
القطع: المتوسطa
Poutine et le Caucase
Regis Genté
Buchet et Chastel- Paris- 2014
208 pp
