تواجه الصحافة المكتوبة خاصّة، ووسائل الإعلام عامّة، تحديات كبرى في زمن الثورة الرقمية التي قلبت الكثير من المعايير وأساليب العمل. وارتفعت أصوات محذّرة كثيرة، من أن أفق أفول عصر الصحافة التقليدية اقترب. مدير مدرسة الصحافة العليا في جامعة لندن، جورج بروك، يقدّم كتابا عن "الصحف والصحافة وقطاع الإعلام في العصر الرقمي"، تحت عنوان رئيس هو "نفاد النسخ المطبوعة".
يقدّم المؤلف في القسم الأول من الكتاب، لمحة تاريخية عن تاريخ الصحافة البريطانية خاصّة، والصحافة الغربية بشكل عام، منذ بداياتها وما عرفته من منعطفات. وهو يعتمد على ما عُرف في بريطانيا بـ"تحقيق ليفيزون" ـ برئاسة اللورد بريان ليفيزون ـ عام 2011، بعد فضيحة "القرصنة الهاتفية" التي استهدفت صحيفة "أخبار العالم ـ نيوز اوف ذي وورد".
كان موضوع التحقيق، الثقافة البريطانية والسلوك الأخلاقي للصحافة. ويشير المؤلف الى ان التقرير المعني، الذي بلغ عدد صفحاته 2000 صفحة، قدّم عددا من التوصيات المكرّسة لتحسين كل ما يتعلّق بحماية الحياة الخاصّة للبريطانيين و"السيطرة على مبالغات الصحافة". ويبين هنا أن مصدر التهديد الأكبر على الصحافة البريطانية، لا يتمثّل في "توصيات ليفيزون"، ولكن بالأحرى من آثار "التشوش الرقمي"، المتأتي من شبكة الانترنت. والصدمة الأكثر وضوحا على الصحافة ظهرت، كما يحدد جورج بروك القول، على صعيد "الانخفاض الكبير في عدد المشتركين وفي حجم العائدات من الإعلانات".
تشير الإحصاءات، الى أنه، ما بين عامي 2000 و2012، انخفضت عائدات الصحف الأميركية من الدعاية والإعلان، بأكثر من ثلاث. وانخفض عدد العاملين في تلك الصحف بنسبة تقارب الـ40 بالمائة في الفترة الزمنية نفسها. وتذهب إحصاءات أخرى في الاتجاه ذاته ضمن بلدان الاتحاد الأوروبي عامة.
وهكذا، فالمؤشرات تدلّ على تسارع كبير في تقهقر الصحافة. وأمام هذه الحقيقة هناك من يرون "موت الصحافة في الأفق"، بينما يبدي آخرون قدرا من التفاؤل.. وأن نموذجا جديدا من الصحافة سيتولّد من رحم الأزمة الحالية. كما يرى المؤلف أن للصحافة البريطانية تاريخها الذي تحدد مساره ضمن إطار التاريخ البريطاني الشامل.
ذلك "الانخفاض" في صوت الصحافة، وبالتالي في قطاع الطباعة تزامن مع "الصعود القوي للحاسوب"، كما يشرح بروك، والذي غدا وسيلة تواصل وتناقل للأفكار، بعيدا عن دورات الرقابة التقليدية. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن التغيير الكبير الذي أحدثه عالم الانترنت حصل على صعيد "علاقة القرّاء بالمعلومات"، وبالتحديد على صعيد استهلاكهم لتلك المعلومات عبر الاستفادة من "حريّة اختيار مصدرها ووسائلها" في أحيان كثيرة، وربما في أغلب الأحيان، بعيدا عن صفحات الجرائد، كما يوضح المؤلف.
يؤكد بروك أن السنوات الأخيرة شهدت موجة من التشاؤم في قطاع الإعلام البريطاني، في ما يتعلّق بالصحافة المكتوبة، التي تواجه "صعود الإعلام الرقمي". وبدا أن "العصر الذهبي للصحافة الذي بدأ في سنوات التسعينيات من القرن التاسع عشر ـ كما يتردد عامّة ـ شرع في التقهقر". وهو يواجه، حاليا، تحديا جديّا: "الثورة الرقمية". ويلفت في هذا السياق، الى أن الصحافة كـ"مهنة" لم تكن موجودة واقعيا في بريطانيا قبل عام 1830.
ويجد بروك أن بوادر الانحسار الأولى للصحافة البريطانية المكتوبة، بدأت من سنوات الخمسينيات في القرن الماضي، العشرين، مع دخولها في عملية منافسة "خاسرة"، كما يدل الانحسار في عدد القرّاء، مع الإعلام المسموع "الإذاعة" وخاصة مع الإعلام المرئي "التلفزيون"، مع بداية ما يسميه المؤلف: "عصر التلفزيون".
ويؤكد بروك أنه في جميع الحقب، كان "البعد الاقتصادي" هو الذي يحظى بالأولوية بالنسبة لمختلف وسائل الإعلام. ويعني ذلك أن "السلطة" التي اكتسبتها الصحافة لم تستمر في أوج قوتها سوى لعدّة عقود من الزمن.
وبالنسبة لمستقبل الصحافة في بريطانيا يؤكّد المؤلف بـأشكال عديدة، أن الصحافة ذات المستوى الرفيع "ليس مآلها الزوال".
المؤلف في سطور
جورج بروك. أستاذ في جامعة لندن حيث يتولّى منصب مدير المدرسة العليا للصحافة فيها. أسهم في الكتابة بمجلات: التايمز والاوبسرفاتور والصانداي تايمز. وهو عضو في مجلس الصحافة الدولي.
الكتاب: نفاد النسخ المطبوعة ... الصحف والصحافة وقطاع الإعلام في العصر الرقمي
تأليف: جورج بروك
الناشر: كوغان بيج ـ لندن- 2013
الصفحات: 255 صفحة
القطع: المتوسط
Out of print
George Brock
Kogan Page - London- 2013
255 pp.
