تشكّل اليابان، نموذجاً فريداً على صعيد القارة الآسيوية. ومسارها يمتلك الكثير من الخصوصيات التي تتفرّد بها، من حيث طموحاتها الإمبريالية، وصولاً إلى احتلال جزء مهم من الصين، عام 1937. وهي البلاد التي كانت قد عرفت بعد هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الثانية، نهوضاً اقتصادياً هائلاً وصفه المعلّقون بـ«المعجزة اليابانية». لكن اليابان تعرف اليوم مساراً انحدارياً إلى هذه الدرجة أو تلك.
اليابان هذه، وفي كل حالاتها، تتقن «فن البقاء»، كما يشرح الصحافي دافيد ببيلينغ، في كتابه الذي يحمل عنوان «العزم أمام الشدائد». وتجدر الإشارة إلى أن عنوان الكتاب مأخوذ من «مثل شعبي ياباني»، يعني «تغيير الحظ العاثر كي يصبح جيّداً». ويحاول المؤلف فيه الإجابة عن سؤال جوهري تواجهه اليابان، اليوم، ويخص معرفة إذا كانت الضغوط التي تثقل على البلاد منذ عقدين من الزمن، سترغمها على «تغييرات جذرية» في مساراتها الحالية؟
يقال عن اليابان إنها البلاد الأكثر تميّزاً في العالم من حيث خصوصياتها الثقافية. وهي التي حققت نهوضاً اقتصادياً لا مثيل له منذ مطلع سنوات الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، العشرين. ذلك بعد خمس سنوات عجاف، عرفتها البلاد بين نهاية الحرب العالمية: عام 1945 وعام 1950. ويروي المؤلف أنه خلال تلك السنوات الخمس، أكل الكثير من اليابانيين أوراق النباتات..
وكانت الفتيات اليابانيات يقفن في صفوف لإمضاء بعض الوقت مع الجنود الأميركيين، لقاء علبة من الأطعمة المحفوظة. ولكن اليابان أقلعت بعد ذلك اقتصادياً، لتصبح بلداً غنياً عملاقاً في صناعاته، حيث غزت منتجاتها من سيارات «الهوندا».. إلى الآلات السمعية والبصرية «سوني» وسلسلة طويلة من المنتجات الأخرى، أسواق العالم.
يرى المؤلف أن الاقتصاد الصيني عرف أوج ازدهاره في أواسط عقد الثمانينات من القرن الـ20، وكذلك «عرف الغرور ذروته» أيضاً في الفترة ذاتها، كما يشير المؤلف. ثم حلّت فترة التباطؤ الاقتصادي مع سنوات لم تعرف فيها اليابان أية زيادة في معدلات النمو، حتى مطلع القرن الحالي.. أو عرفت نسبة ضئيلة جداً منه. وهكذا تفوّقت كوريا الصاعدة على اليابان في معدّل النمو الاقتصادي بالاعتماد على تكنولوجيات عالية..
وبدأ العملاق الصيني «المنافس» بالبروز على الساحة الدولية. ولكن هذا لا يمنع واقع أن مظاهر الرخاء والازدهار لا تزال بادية على اليابانيين في مختلف مشارب حياتهم.
وذلك بفضل مجموعة من العوامل والظروف المتاصلة في عمق فكر المجتمع وثقافته، والتي تؤهله ليكون في مكانة متقدمة، على الدوام. وينقل المؤلف عن أحد النوّاب البريطانيين (بهرته أضواء طوكيو)، قوله: «إذا كان هذا هو التقهقر فأنا أتمنى تقهقراً مثله». ويؤكّد المؤلف أن مفهوم الأزمة لا يزال غريباً عن اليابان. ذلك أنها ليست فريسة للفقر المعلن أو للتفسّخ الاجتماعي.
وعلى العكس، فالصورة التي يرسمها دافيد بيلينغ لليابان، تبيّن أن نسبة الجرائم لا تزال متدنية جداً فيها، كما تدل بوضوح معدّلات أعداد نزلاء السجون. ولا تزال اليابان تحقق في السنوات الأخيرة، معدل نمو اقتصادي سنوي يتفوّق على الولايات المتحدة وفرنسا، كما يشير المؤلف.
ما يؤكّده مؤلّف هذا الكتاب هو أن عوامل خارجية استجدت للدفع نحو التحوّل المطلوب. هذه العوامل يحددها أساساً في الهزّة الأرضية.. وفي «التسونامي» اللذين ضربا اليابان عام 2011 والأزمة الكبيرة التي ترتبت على المركّب النووي «فوكوشيما».
المؤلف في سطور
أمضى دافيد بيلينغ عدّة سنوات في اليابان. وعمل كمحرر للشؤون الآسيوية في صحيفة «فننشال تايمز». وكان مدير مكتبها في العاصمة اليابانية خلال سنوات 2002 ـ 2008. نال العديد من الجوائز على عمله الصحافي بما في ذلك جائزة الناشرين البريطانيين. يعيش حالياً في هونغ كونغ.
الكتاب: العزم أمام الشدائد.. اليابان وفن البقاء
تأليف: دافيد بيلينغ
الناشر: آلن لين- لندن 2013
الصفحات: 362 صفحة
القطع: المتوسط
Bending adversity
David Pilling
Allen Lane- London ذ 2012
362 pp.
