أوروبا الحالية قابعة في «منطقة الزوبعة» كونها متقلّبة سياسياً وغير فاعلة اقتصادياً

قناعة.. الإرث يدعم الوحدة الأوروبية

تحت عنوان: "قناعة داخلية"، يُكرّس الصحافي الفرنسي، الحائز على جائزة "البير لوندر" الشهيرة للصحافة، كتاباً للحديث عن آلية اكتساب القناعة بضرورة دعم مسيرة التوحيد الأوروبي، ذلك في فترة يجتاز فيها الاتحاد الأوروبي "منطقة زوابع" خطيرة.

يبدأ غيتا بالقول انه ربما يكون الوقت قد تأخّر كثيراً لإجراء "مصالحة" بين الأوروبيين وأوروبا. لكنه يؤكّد، مباشرة، أنه، وعلى أساس "قناعته الداخلية"، لا ينبغي التخلّي عن طموح تاريخي بسبب الحالة المتردية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي بـ"نسخته الحالية"، مشددا على أن الشعوب الأوروبية المعنية، ربما تخسر كل شيء إذا خلطت بين الطموح التاريخي وإخفاقاته وخيبة الأمل المعقودة عليه.

الفكرة الأساسية التي تتمحور حولها تحليلات الكتاب، انه لا ينبغي للأوروبيين أن يتراجعوا وينكفؤوا على أنفسهم، في مواجهة الأزمة التي يمر بها الاتحاد الأوروبي. هذا مع الإشارة إلى الأفق القريب الذي ستجرى فيه الانتخابات الأوروبية، أشهر أربعة قليلة.

يشرح برنار غيتا، على مدى العديد من الصفحات، أن هناك إرثاً أوروبياً يلتقي فيه، وحوله، جميع الأوروبيين. ومثل ذلك الإرث له مؤشراته، التي من بينها: تأسيس الجامعات الكبرى في بلدان القارة القديمة خلال العصور الوسطى، ظهور ملامح "عصر النهضة" ابتداء من القرن السادس عشر في مختلف تلك البلدان، "عصر التــنوير الأوروبي الجامع" وما أعقبه من الاستجابة الأوروبية الواسعة لأفكار الثورة الفرنسية.

 يعيد المؤلف أسباب التلكؤ وبروز العقبات والكوابح أمام مشروع التوحيد الأوروبي، إلى أن البداية كانت خاطئة. إنه يذكّر بالفشل الكبير الذي انتهى إليه مشروع "المجموعة الأوروبية للدفاع"، الذي كان ينص على إنشاء برلمان أوروبي مشترك. فذلك المسار نسفته فرنسا عام 1954، كما يشرح المؤلف. وفشل ولم يسمح بالبدء من حيث كان ينبغي، أي من السياسة، حسب رأيه.

وكانت هناك بداية جديدة عبر الاقتصاد، بما عُرف: اتفاقية الفحم والحديد، بين ستة بلدان أوروبية كبرى.. يرى المؤلف أنها كانت بداية تقنية لا تثير الكثير من الحماس الشعبي. وكانت أوروبا التي صورت عبر ذلك السبيل: "أوروبا الخطوات الاقتصادية الصغيرة".

يوضح المؤلف أن "خيبات الأمل" الأوروبية أخذت بالتكدّس منذ توقيع "اتفاقية مستريشت"، وبالتوازي مع ذلك، شاعت حالة من الحذر حيال الغموض الإداري في آليات العمل الأوروبي المشترك، خاصة من حيث اتخاذ القرارات بلا الرجوع إلى مواطني القارّة. ويوجّه نقداً مزدوجاً إلى أوروبا الحالية: متقلّبة سياسياً، غير فاعلة اقتصادياً.

ويشرح كيف أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي انطلقت من الولايات المتحدة في خريف عام 2008، أرغمت الأوروبيين على ممارسة قدر من التضامن لا تنصّ عليه الاتفاقات الأوروبية. لكن. بالمقابل تبنّت الحكومات الأوروبية، سياسات ذات طابع ليبرالي كانت لها آثار اجتماعية خطيرة..

ولم تثبت فاعليتها على الصعيد الاقتصادي. ورغم الصورة "السوداء" التي يرسمها المؤلف لأوروبا، حالياً، فإنه يرى ضرورة أن يكون لدى شعوبها "فكرة ملهمة" في معركتها التاريخية الراهنة، التي يتمثل رهانها باستعادة موقعها، بعد أن تقهقرت على المسرح العالمي.. أمّا "الفكرة الملهمة" التي يرى المؤلف أنها يمكن أن تلعب دور المحرّك من أجل النهوض في أوروبا..

فيحددها في تجاوز مشاكلها الداخلية والعمل على توسيع مجالها في السياق الدولي الراهن. ذلك باتجاه الجنوب مع البلدان العربية وباتجاه الشرق نحو روسيا وأوكرانيا، بحيث تقترح على الجميع شراكات متميّزة . ونقرأ:" ينبغي على أوروبا أن تنسج على محيطها شراكات مع روسيا وحول البحر المتوسط. عندها تصبح قلب أحد أكبر المجالات الاقتصادية في العالم. وإذا لم يكن ذلك مصلحة وطنية فيمكن بناؤه بأفق أوروبي".

المؤلف في سطور

 برنار غيتا. صحافي وكاتب فرنسي، يهتم بحقل السياسة الدولية. غطى أحداث وتحولات كبرى بصفة مراسل لصحيفة "لوموند"الباريسية، على مدى سنوات عديدة.

وواكبت كتاباته، أحداثاً عالمية مفصلية، منها: ولادة نقابة "تضامن"البولندية عام 1980 بزعامة ليش فاليسا، ازدهار الليبرالية في أميركا ـ ريغان،انهيار الشيوعية. عمل أيضاً، كمدير تحرير مجلة "اكسبانسيون" ثم مجلة "نوفيل اوبسرفاتور". وهو حالياً، معلق في إذاعة "فرانس انتير" وفي صحيفة ليبيراسيون. حصل على جائزة "البير لوندر" الشهيرة للصحافة وعدّة جوائز هامّة أخرى. من مؤلفاته: أوروبا الفيدرالية.

 الكتاب: قناعة داخلية

تأليف: برنار غيتا

الناشر: سويل - باريس- 2014

الصفحات: 204 صفحات

القطع: المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات