أصبحت السيارة، وسيلة الانتقال الأساسية في المجتمعات الحديثة. وغدت متاحة للغالبية الساحقة في البلدان المتقدّمة، ولشرائح واسعة في غالبية المجتمعات الأخرى، حالياً. لكنها كانت نادرة بالنسبة للجميع، حتى بدايات القرن العشرين، ذلك أنها كانت اختراعاً تكنولوجياً جديداً.
الباحث البريطاني، ستيفن باريسن، يكرّس كتابه الأخير لكتابة قصّة تطوّر السيارة ، كما يقول عنوانه الرئيسي، وهو يستعرض فيه تاريخاً جديداً للعربة ذات المحرك، كما يقول عنوانه الفرعي.
يشرح المؤلف مختلف المراحل التي مرّت بها السيارات ذات المحرّك، قبل الوصول إلى ما هي عليه في الوقت الحالي. هذا مع التوقف عند الفترات التي يعدها تعبيرا عن ازدهار السيارات، مثل سنوات ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية. لكنه يجد، بالمقابل، أن العصر الذهبي للسيارات كان خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، العشرين.
يتوقف المؤلف، أيضا، عند بعض الصناعيين الذين عملوا في قطاع إنتاج السيارات، من أمثال: بينز ورويس وستروين وفورد. كما يحظى المصممون الموهوبون باهتمام خاص في تحليلات الكتاب. ويشير المؤلف، مثلا، إلى أن سيارة فورد من طراز "T " بمثابة حدث أعطى للشركة المصنّعة شهرة على المستوى العالمي كلّه.
ينطلق ستيفن باريسن في تحليلاته من عام 1891، عندما نجح المهندس الفرنسي إيميل لوفاسّور في اختراع السيارة الحديثة. وذلك حين نقل المحرّك إلى الجزء الأمامي من السيارة، وزوّدها بجهاز تبريد المحرّك وآلية لتأمين الحركة الدائرية ومكابح، وإمكانية التحكّم بالسرعة.
ويشرح المؤلف، في الاطار نفسه، أن صانع السيارات هنري فورد، لم يبادر إلى إنشاء سوق لبيع السيارات للمستهلكين فحسب، ولكنه أنشأ أيضاً سوقاً لشراء قطع التبديل للسيارات التي كانت تقوم شركته بتصنيعها. ويعتقد المؤلف أن هنري فورد كان بمثابة احدى الشخصيات التي تركت بصماتها على تاريخ صناعة السيارات.
يبين المؤلف، على مدى العديد من الصفحات، أن السيارة استفادت، على غرار العديد من ثمرات التكنولوجيا، في انتشارها السريع وتطورها التقني، من الحروب التي عرفها العالم. إذ إنه أصبح لها دور كبير بـ"نسخها العسكرية المتنوّعة" في المعارك. ويوضح في الإطار أن الحروب كانت باستمرار دافعا للتطوّر التكنولوجي، من أجل تحقيق التفوّق على العدو.
الفكرة الأساسية الأولى، التي يؤكّد عليها ستيفن باريسن، هي أن السيارة مثّلت ثورة حقيقية في حياة البشر، وفي نمط سلوكهم وتعاملهم مع الوسط المحيط عبر "تقريب المسافات". ويرى المؤلف أن تاريخ السيارة يشكّل مدخلًا ممتازاً لتاريخ القرن العشرين. ذلك أنه يمتزج في تاريخها ما تمثله من "ظاهرة عامّة، شاملة على الصعيد العالمي".
يؤكد المؤلف أن تاريخ السيارة كان أيضاً تاريخاً اجتماعياً بامتياز. ذلك أن اختراعها وتصنيعها وانتشارها، كان له آثاره المباشرة على تطور شبكة المواصلات الضرورية، وتنشيط الانتقال بالنسبة للأشخاص والمنتجات، وعلى تخطيط المدن وطريقة بناء المساكن والصحّة العامة. هذا فضلا عن تأثيرها المباشر على الاقتصاد..
وعبر ذلك على التاريخ السياسي نفسه. ويبين أنه كان هتلر هو الذي شجّع على صناعة "السيارة الشعبية "الألمانية "فولسفاكن"، وكفل شركة "مرسيدس". وكان موسوليني قد رأى في السيارة تقدّم إيطاليا التكنولوجية الفاشية. وكان يروق له كثيراً أن صانع السيارات الفخمة انزو فيراري من بين الداعمين لنظامه.
المؤلف في سطور
ستيفن باريسن، متخصص في التاريخ المعماري والثقافي. مدير مساعد لمركز "ميلون" في لندن. حائز على شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد. عمل أستاذاً زائراً في جامعتي أكسفورد وويرويك البريطانيتين للتاريخ الثقافي الأوروبي عامّة. من مؤلفاته: البيت الجيورجي في بريطانيا وأميركا.
الكتاب: قصّة تطوّر السيارة.. تاريخ جديد للعربة ذات المحرك
تأليف: ستيفن ماريسن
الناشر: اتلانتيك بوك- لندن 2013
الصفحات: 437 صفحة
القطع: المتوسط
The Lifeof the Automobile
Steven Parissien
Atlantic Booksذ London ذ 2013
437 pp.
