ارنيلد لوفينغ سيدة نرويجية في السادسة والثلاثين من عمرها. عندما كانت في الخامسة عشرة اجتاحتها عاصفة من القلق، بحيث أصبحت الأرض "تمور تحت قدميها". ففقدت تلك التلميذة- المتفوقة في دراستها- توازنها النفسي، كما فقدت القدرة على التواصل مع الآخرين. شخّص الأطباء المتخصصون أنها مصابة بمرض الفصام الشيزوفرينيا. بل قرروا أنه محكوم عليها بالبقاء أسيرة مرضها العقلي، حتى نهاية حياتها.

لكن ارنيلد لوفينغ، نجحت في الخروج من حالتها الميؤوس منها، بل وأصبحت متخصصة في علم النفس في بلادها. وفي هذا الكتاب: "طريق العودة من حالة الفصام (الشيزوفرينيا)، تروي المؤلفة مغامرتها في الانتقال من الجنون إلى معالجة الذين يعانون من أزمات نفسية.

والمؤلفة تدعو قارئها، في واقع الأمر، إلى زيارة عالم الفصام النفسي، كما عاشته، من دون الخوض في تعريفه، بل وتعد أن أي تعريف له هو اختزال لحقيقته. ذلك أن لكل حالة مريض بالفصام خصوصياتها وتفرّدها. وبتعبير آخر: هناك أنواع من الفصام بمقدار ما هناك من حالات المصابين فيه.

إن هذا الكتاب يمثّل في صميمه، حملة نقد شديدة ضد "المنظومة الطبية"، على خلفية توجيه الاتهام لها بأنها تجعل من الذي يعاني من خلل صحي أو نفسي ما، سجينا لمنطق المرض الصارم. ومثل هذا الحكم على المنظومة الطبية، تصل إليه المؤلفة انطلاقاً من تقصّي المراحل التي عرفتها حالتها الصحيّة، منذ البوادر الأولى لاضطرابها النفسي وحتى التعامل معها كمريضة "مزمنة".. وإلى نهاية حياتها.

تقدّم ارنيلد، كمدخل لدراسة حالتها، توصيفاً لما عانت منه منذ الأعراض الأولى.. فلم يبق حولها سوى الإحساس بالعزلة و"الظلام والفراغ". وبمثل تلك الصور الشعرية، تشرح مؤلفة الكتاب كيف اجتاحتها حالة من القلق والخوف من كل شيء، وفقدان الصلة مع الواقع المحيط بها، إلى درجة الشعور أنها لم تكن موجودة في الواقع وبين آخرين.

 لكن بالوقت نفسه، فقدت قدراً كبيراً من "استقلالها الذاتي". وكانت في الخامسة عشرة من عمرها آنذاك حين أصبحت ترى خيالاتها بدلا من الواقع. وهكذا ظلّت ذات مرّة، كما تروي، مسمّرة لمدّة نصف ساعة في الشارع، حيث تولّدت لديها فكرة "مجنونة"، بأن حافّة الرصيف تحوّلت إلى :"هوّة لا قرار لها وحيث كان الموت المؤكّد ينتظرني إذا وقعت فيها"، كما نقرأ.

لكن، رغم الصورة القاتمة، السوداء، للتجربة التي عاشتها المؤلفة، فإنها تركز على القول انها، بالوقت ذاته، تجربة تدعو الى التفاؤل. وهي تعتمد في تفاؤلها على مسألتين أساسيتين. المسألة الأولى: أن المريض بالفصام كان "قبل إصابته" شخصاً مثل غيره يتأثر بالعواطف والانفعالات الإنسانية، وبالتالي ينبغي الحوار معه. فمثلاً من الهام جداً أن يشرح له الأطباء نوعية العلاج ومقادير الجرعات والآثار الجانبية. ذلك أن" عدم احترام المريض، وعدم اعتباره عند وصف الدواء، أمور ربما يترتب عليها خسائر خطيرة ودائمة".

والمسألة الثانية هي التأكيد على أهمية الأمل. فالقول ان مثل هذا المرض الخطير لا شفاء منه، كما تشرح المؤلفة، يدحضه واقع أن بعض المرضى يستعيدون عافيتهم النفسية، مثل حالة المؤلفة ـ المريضة السابقة. ويبدو العامل الأكثر أهمية هنا، أن ارنيلد لوفينغ كانت تملك دائماً في داخلها "مصادر النهوض من جديد".

 المؤلفة في سطور

 ارنيلد لوفنغ. متخصصة نفسية، من النرويج. تعمل في إحدى ضواحي مدينة اوسلو. نالت جوائز عديدة، من بينها: جائزة تشجيع حريّة التعبير في مجال الصحّة العقلية"- عام 2004 . وهذا هو كتابها الأول، والذي ترجم إلى أكثر من عشر لغات عالمية.

 

الكتاب: طريق العودة من الفصام "الشيزوفرينيا"

تأليف: ارنيلد لوفينغ

الناشر: سكايهورس- نيويورك 2013

الصفحات: 170 صفحة

القطع: المتوسط

 

A road back from schizophrenia

Arnhild Lauveng

Skyhorseذ New York ذ 2013

170 pp.