يتحدث الفرنسيون كثيراً عمّا يسمونه "الاستثناء الفرنسي"، بمعنى امتلاك منظومة اجتماعية وثقافية متميزة. إحدى نقاط التميّز التي يفتخرون بها هي نظام الضمان الاجتماعي. وهذا الضمان هو بالتحديد موضوع كتاب الباحثة وأستاذة علم الاجتماع ـ السوسيولوجيا ـ في جامعات باريس، كوليت بيك، الذي يحمل عنوان "الضمان الاجتماعي"، باعتبار أن هذا الضمان هو أحد المكتسبات الأساسية في النظام، الذي تعود جذوره إلى الثورة الفرنسية.

تنطلق المؤلفة من الواقع الصعب الذي تعيشه منظومة الضمان الاجتماعي الفرنسية. إذ يتبادل المسؤولون ورجال السياسة.. الاتهامات بمحاولة قتلها؛ والجميع يرفعون بالمقابل، أصواتهم من أجل المطالبة بإنقاذها. وتشير المؤلفة الى أن مثل هذا الوضع مستمر منذ عدّة عقود، عندما جرى الكشف عن عجز "لم يجر أبداً ردمه" في صندوق الضمان الاجتماعي. وصار بالتالي موضع نقاش وجدال لا ينتهيان.

تخوض كوليت بيك في هذا الكتاب، تحديداً، في جذور منظومة الضمان الاجتماعي في فرنسا، التي تعود إلى نهاية الحرب العاالمية الثانية، وتحديدا إلى عام 1945، عندما أراد الجنرال شارل ديغول أن يترافق "تحرير فرنسا" من الاحتلال النازي، مع ثورة على الصعيد الاجتماعي، بحيث تعزز مبادئ العدالة الاجتماعية والأمن للجميع.

نقطة البداية في محاولة التصدي للمشكلات التي تعاني منها منظومة الضمان الاجتماعي في فرنسا، في الوقت الحالي، تحددها المؤلفة في البحث عن الأسباب التي دفعت هذه المنظومة إلى ما هي عليه.

وتؤكد المؤلفة أن الفرنسيين اليوم "على مفترق طرق" في هذا الخصوص. وبالتالي، عليهم الوقوف والتمعّن وتوضيح شفاف لحقيقة ما يقدم من أرقام خاصّة بـ "الثغرة" المالية التي تعاني منها المؤسسة المعنية. والبحث على أساس ذلك في إمكانات الخروج من النفق، وليس الاكتفاء بالحديث عن العجز. والمسألة في عمقها، لا ترى فيها المؤلفة مجرد أزمة أرقام وعجز مستمر من حوالي نصف قرن.

بل هي أيضاً وخاصّة، مسألة ذات طبيعة سياسية تتعلّق بالإجابة عن السؤال التالي: كيف العيش معاً؟ وتبين المؤلفة أن المشكلة ـ المعضلة الكبرى التي تواجهها منظومة الضمان الاجتماعي في فرنسا، حالياً، تكمن في وجود رؤيتين متباينتين لهذه المنظومة، من قبل الدولة ومن قبل أرباب العمل. الدولة تريد لهذه المنظومة أن تكون شاملة لجميع الفرنسيين، بمن فيهم أولئك الذين يتلقون "المساعدة الاجتماعية" منها. أمّا أرباب العمل فيريدونها أن تكون وسيلة "حماية اجتماعية" للعاملين.

وفي العموم، تشير المؤلفة بأشكال مختلفة في هذا الكتاب، إلى أن الضمان الاجتماعي يمثل "فكرة كبرى ينبغي إنقاذها". ذلك بعيداً عن ذهنية تسييسها. ذلك أنها تبلغ من الأهمية درجة تجعلها أكبر من أن تقارب سياسياً.

 المؤلف في سطور

 كوليت بيك. أستاذة علم الاجتماع في جامعة "باريس ـ ديكارت". باحثة في تاريخ المؤسسات الاجتماعية الفرنسية في إطار نشاطات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. قدّمت العديد من المؤلفات في مجال التاريخ الاجتماعي في فرنسا، من بينها: المساعدة الاجتماعية والجمهورية.

 

الكتاب: الضمان الاجتماعي

تأليف: كوليت بيك

الناشر: غاليمار- باريس- 2014

الصفحات: 326 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

La Sécurité sociale

Colette Bec

Gallimard ذParis- 2014

326 pp