نعيش حالياً نموذج المباشر منه الذي ألغت فيه التكنولوجيا المسافات

انبعاث الزمن.. الإقتراب من جوهر الطبيعة

العلاقة بين الرياضيات والفيزياء هي في غاية التعقيد. ولا شك أنه من الصعوبة بمكان أن يفهم لغة الرياضيات من هو ليس متخصصاً فيها. ومن المتعارف عليه أيضاً، أن الفيزياء لا معنى لها من دون الرياضيات. هكذا مثلاً عند الحديث عن ما يسمى "الميكانيك الكوانتي"، يجري الوصول إلى القول باللغة المبسّطة إن "الالكترون هو موجة وجزيئة بالوقت نفسه وأن الجزيئات، ما دون الذرّات ـ الأصغر من الذرّات ـ، يمكنها أن تكون في أكثر من مكان بالوقت نفسه، وهكذا بالتتالي: الفيزيائيون وحدهم يمكنهم فك مثل هذه الأحاجي.

الفيزيائي الأميركي الشهير، الأستاذ في الجامعات الكندية، يحاول رفع مثل هذا التحدّي، حيث يضع الرياضيات جانباً، ويؤكّد في مقدمة كتابه، الذي يحمل عنوان "انبعاث الزمن"، أنه "لن يعتمد على المعادلات الرياضية". ويضيف موجهاً الحديث إلى قرّائه: "كل ما أنتم بحاجة إليه من أجل متابعة الحجج التي أقدّمها سيشرح".

يوضح المؤلف أن الزمن قائم باستمرار، وليس هو الذي يمر، بل هو يرقب، بالأحرى، الذين يمرّون. وفي هذا المعنى، كتب عالم الرياضيات الشهير، انشتاين، في رسالة وجهها إلى صديق كان يعيش حالة حداد على عزيز رحل ما مفاده:" البشر مثلنا، ممن لديهم قناعة بالفيزياء، يعلمون أن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل، مجرّد وهم مستمر بكثير من العناد".

إحدى الأفكار التي يؤكّد عليها المؤلف، هو أنه ينبغي القبول بوجود حقائق وقوانين فيزيائية دائمة، ليست مرتبطة بالزمن ذلك على غرار الرياضيات. فمثلاً عند القول ان 2 + 2 = 4، فإن مثل هذه الحقفيقة تتجاوز اي تساؤل حول: إلى متى يبقى هذا قائماً وصحيحاً؟

والجواب الذي يقدمه المؤلف هو:" هذا يعبّر عن حقيقة خالدة. والزمن لا علاقة له بها". ما يريد أن يبينه المؤلف هو أنه هناك حقائق تبقى ثابتة في ما يتجاوز الزمن ويضيف، إنه إذا كانت هناك حقائق تتجاوز الزمن في مجال الرياضيات، فلماذا لا يكون هناك مثل ذلك في مجال الفيزياء؟

يحاول إن ليي سمولن، أن يثبت قناعة مفادها أن "الزمن واقع حقيقي". ويبيّن أنه وصل هو نفسه إلى تلك القناعة انطلاقاً من موقع معاكس تماماً. يكتب: "اعتقدت لفترة طويلة بأن الزمن حالة وهمية وليست حقيقية. وأصبحت في واقع الأمر فيزيائياً لأنني كنت أتشوّق، عندما كنت مراهقاً، لاستبدال هذا العالم، المحكوم بالزمن والبشع بنظري، بعالم من الحقيقة الصافية وغير المحكومة بالزمن. لكنني لم أعد أعتقد أن الزمن ليس واقعاً حقيقياً. انتقلت فعلياً إلى المعسكر الخصم فالزمن ليس حقيقياً فحسب، لكنه من بين جميع معارفنا أو تجاربنا هو الذي يقترب أكثر من جوهر الطبيعة".

من المفاهيم التي يناقشها المؤلف طويلاً، العلاقة بين الزمان والمكان. ويرى، على غرار انشتاين، فكل تجربة يعيشها الإنسان.. وأفكاره وأفعاله ومشاعره ونواياه، "جزء من لحظة معيّنة". ثم إن العالم يبدو لنا كسلسلة متتالية من اللحظات. ولا خيار لنا في تحديد إيقاع مرور اللحظات ولا استباق الزمن في ولوج المستقبل.

 ويقول أيضاً:" إننا نعيش في عالم انتصرت فيه التكنولوجيا على الحدود الملازمة لواقع العيش في مجال محدد الأبعاد.. شبكة الانترنت تلغي المسافات التي تفصل بين الأمكنة المتباعدة من خلال شبكة من الروابط، حسب التعبير المستخدم في اللغة الرقمية".

وعلى خلفية مثل هذا الواقع الذي ترتب على ثورة المعلوماتية والاتصالات يرى ليي سمولن أن الزمن أساسي أما المكان فضرب من الوهم؟ والوصول عبر هذا إلى القول إن العالم هو، وسيبقى، جملة من المسارات المتطورة في إطار الزمن. وأن العلوم، بما في ذلك الرياضيات، يمكنها التقدّم في بعض وجوه معرفة الطبيعة، لكنها لن تعرف أسرارها كلّها كاملة. والتأكيد أن بعض وجوه حقيقة الكون الذي نعيش فيه لن يمكن تقديمها بلغة الرياضيات.

 المؤلف في سطور

 ليي سمولن. أحد أهم الفيزيائيين الأميركيين المعاصرين في ميدان الفيزياء النظرية. وهو أستاذ الفيزياء النظرية في جامعة واترلوو الكندية. يدرّس مادة فلسفة العلوم في جامعة تورنتو في كندا أيضاً. سبق له وقدّم أربعة كتب، من بينها: لم يعد هناك ما يتقدّم في الفيزياء.. فشل نظرية الحبال".

 

الكتاب: انبعاث الزمن

تأليف: ليي سمولن

الناشر: هوغتون ميفلن هاركور -

نيويورك 2013

الصفحات: 319 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Time reborn

Lee Smolin

Hougton Mifflin Harcourt ذ New york ذ 2013

319 pp.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات