أمضى جان فرانسوا كان، أربعة عقود من حياته وهو يعمل في ميدان الصحافة والكتابة، كمحرر ومدير ومؤلف. وقدّم عشرات الأعمال في نقد المشهد السياسي والاجتماعي السائد في فرنسا، وخاصّة من حيث سيطرة «الفكر الجاهز» في شتى الميادين. وهو «يصفّي» في عمله الأخير، حساباته مع مهنة الصحافة التي احترفها طيلة عقود. ويحمل الكتاب عنوان «الرعب الإعلامي».
يروي جان فرانسوا كان، في مطلع هذا العمل، أنه عندما صدر كتابه السابق تحت عنوان «كارثة 6 مايو 2012»، عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة التي فاز بها الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند، تلقى كان، يومها، العديد من الاتصالات الهاتفية من عدد كبير من زملاء المهنة.
إذ أعلن أولئك الزملاء، ومنهم صحافيون فرنسيون مرموقون، عن إعجابهم بالعمل وتهنئتهم لمؤلفه، وأضافوا أنهم لن يكتبوا شيئاً عنه بسبب الآراء السلبية التي كان أطلقها سابقاً حيال رؤساء المؤسسات التي يعملون فيها. ويسأل المؤلف: هل محاباة رئيس العمل غدت اليوم في فرنسا، بلد حريّة التعبير، أهم من الحديث عن مضمون كتاب؟
بعد أن يذكّر المؤلف، أنه عندما كان مديراً لمجلة «ماريان»، إذ لم يتردد في نشر مقالات كاملة «مرّغته في الوحل»، يبدي أسفه العميق لمدى التحيّز الذي غدت تتسم به الصحافة الفرنسية.. وافتقادها للتعددية في طرح الآراء. وهكذا يضع «محترفي العمل الإعلامي» في فئة يعتبرها مقطوعة عن واقع الناس.
والنتيجة هي تعاظم ظاهرة فقدان الثقة بين الفرنسيين وبين وسائل إعلامهم. ويشير هنا إلى أنه تدلّ بعض الإحصاءات الأخيرة، أن نسبة 23 بالمائة فقط من الفرنسيين، يثقون بما تقدّمه وسائل الإعلام الكبرى، بكل مجالاتها، المكتوبة والمسموعة والمرئية. كما أنه تدنّت شعبية الصحافيين لدى الرأي العام، كي تقارب شعبية رجال السياسة، المتدنية من جهتها إلى حد كبير.
الحقيقة التي يؤكّدها جان فرانسوا كان، هي أن الثورة الرقمية وثمراتها من شبكة الإنترنت وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، غيّرت جذرياً من خارطة المشهد الإعلامي. وهذا المنعطف وما ترتب عليه من الوصول المباشر للمعلومات، بعيداً عن أي تحليل، ومن دون أخذ أية مسافة لـ«التأمّل والتفكير»، يدفع المؤلف للتساؤل عما إذا كان ذلك لن يؤدي إلى تعاظم «الرعب الإعلامي»؟
تتمثل إحدى الأفكار الأساسية في الكتاب بالقول إن الصحافيين أصبحوا يمثلون اليوم الفئة التي يتركز عليها غضب الرأي العام. ويضيف في موقع آخر: «هناك حالة رفض غريبة وشاملة لمهنتنا. الاتهام ربما يكون ظالماً ولكنه واقع قائم».
ويحدد المؤلف القول في توصيفه للمشهد الفرنسي الإعلامي القائم اليوم: «هناك اليوم تياران وحيدان يسودان في النقاشات، هما تيار يساري ليبرالي يتبنى خطاباً تحررياً، وتيار آخر يميني محافظ. وهذان التياران لا يمثلان أبداً مجمل الشعب الفرنسي». بل يرى جان فرانسوا كان، أنه يكفي أن تتحمس وسائل الإعلام لمرشح ما أو لقضية ما، حتى تكون الهزيمة هي النتيجة.
إن هذا الكتاب يمثّل في جوهره، نوعاً من التحذير من النتائج التي يمكن أن تترتب على «تزايد عمق الهوّة»، بين وسائل الإعلام الفرنسية والرأي العام الفرنسي الذي ينتاب الغالبية فيه، شعور بكونهم يواجهون قدراً كبيراً من الدعاية ومحاولة توجيه قناعاتهم.. وقدراً أقل من المعلومات الموضوعية.
المؤلف في سطور
عمل جان فرانسوا كان في حقل التدريس، قبل أن ينتقل إلى العمل في الصحافة. إذ كان أحد محرري صحف ومجلات عدة، من بينها: لوموند وإكسبريس. ثم أسس وتولّى إدارة مجلة لوفينمان دو جودي، ولاحقاً: مجلة ماريان، التي تخلّى عن جميع مناصبه فيها كي يتفرّغ للكتابة فيها. من مؤلفاته: فلسفة الواقع، أبجدية الفكر غير النزيه، الفكر ذو الاتجاه الوحيد.
الكتاب: الرعب الإعلامي
تأليف: جان فرانسوا كان
الناشر: بلون - باريس - 2014
الصفحات: 140 صفحة
القطع: المتوسط
Lصhorreur médiatique
Jean François Kahn
Plonذ Paris- 2014
140 pp.
