كثيرة هي الكتب التي جعلت من تاريخ القرن العشرين، موضوعا لها. لكن المؤرّخ الأميركي من أصل هنغاري، جون لوكاتش لم يتردد في القول: «على حدّ علمي لم يكتب تاريخ جدّي للقرن العشرين». لذلك يكرّس كتابه الأخير لهذا التاريخ، تحت عنوان «تاريخ مختصر للقرن العشرين».
أمضى المؤلف ـ المؤرّخ، أكثر من أربعة عقود من حياته يبحث وينقّب في تاريخ القرن العشرين. وهو يقدّم في هذا العمل الجديد، تاريخاً «مختصراً»، بمثابة نتاج مكثّف لما توصّل إليه خلال سنوات بحثه الطويلة. وهو تاريخ «مختصر زمنياً» بالدرجة الأولى، إذ يعتبر المؤلف أن القرن العشرين بدأ مع نشوب الحرب العالمية الأولى، المعروفة بتسمية «الحرب الكبرى» عام 1914، وينتهي في عام 1989 مع سقوط جدار برلين.
جعل مثل ذلك التحديد الزمني المؤلف يذكر أحداثاً كبرى أخرى، من دون التوقف عندها كثيراً، مع أنه كان لها أيضاً تأثيرها في المسار العالمي، مثلاً: توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فترة وصول نلسون مانديلا إلى السلطة خلال سنوات 1993 ـ 1998.
ومن الواضح أن مؤلف هذا الكتاب يركز في تأريخه للقرن العشرين، على التاريخ الأوروبي تحديداً، وذلك على أساس مقولة يعبر عنها صراحة أو مواربة، مفادها أن تاريخ القرن العشرين هو بالدرجة الأولى وأساساً «تاريخ القارّة الأوروبية».
التركيز الذي يبديه جون لوكاتش على التاريخ الأوروبي، مبني على أساس أنه الحجر الأساس في تاريخ القرن العشرين كلّه. ويتجلى هذا التركيز في تكريسه 12 فصلاً من فصول الكتاب الـ17، لدراسة فترة ما بين الحربين العالميتين، أي على فترة تمتد لعقدين فقط 1919 ـ 1939. ومن الملاحظ أن المؤلف لا يرسم صورة «سلبية» كثيراً لهتلر. ويبدي إعجابه بونستون تشرشل.
يتعرّض المؤلف على مدى العديد من صفحات الكتاب، للمسار الروسي في نسخته «السوفييتية»، منذ الثورة البلشفية عام 1917 وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. ولا يتردد في توصيف الاتحاد السوفييتي في ظل حكم جوزيف ستالين، بأنه لم يكن سوى «روسيا بتسمية أخرى». وأن المشروع التوسعي الذي شهدته فترة حكم القياصرة، بقي قائماً.
يصل المؤلف في تحليلاته إلى القول إن روسيا لعبت، عن وعي وتصميم، دور القوّة الكبرى في شرق القارة الأوروبية، على خلفية طموحها التاريخي في جميع الحقب. وذلك الطموح كان عبر التاريخ، هو فرض سيطرتها على بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، من منطق «إمبريالي». هذا بمعنى أن الاتحاد السوفييتي لم يكن يتحرّك على أساس مبدأ إيديولوجي يرمي إلى نشر نموذج اشتراكي على صعيد العالم كلّه، بل على خلفية «نزعة روسية قيصرية متأصّلة». وبالمقابل تذهب تحليلات هذا الكتاب نحو التأكيد أن الاتحاد السوفييتي لم يكن حتى في فترات أوج قوته، سوى «نمر من ورق».
ويشرح المؤلف في الصفحات التي كرّسها لظاهرة نهاية الحقبة الاستعمارية وانحسار الإمبراطوريات التي أقامتها خلالها القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها إنجلـــترا وفرنسا، أن هذه القوى ساهمت بعد الحرب العالمـــية الثانية، في تسريع نزع الاستعمار في إطــار تعريف جديد لدورها على المــسرح الدولي.
يرى المؤلف أن سنوات ما بين الحربين العالميتين كانت هي وحدها التي تمثل «القطب الأساسي»، الذي كانت تدور حوله «الحداثة». ذلك أن الشعوب الأوروبية المهزومة، كما المنتصرة، في الحرب العالمية الأولى، كانت تريد الابتعاد عن الحقبة التي سبقت نشوب تلك الحرب وأدّت إلى نشوبها.
وكانت سنوات ما بين الحربين العاليتين قد عرفت حالة من السلام «المشوب بالترقّب»، كما عرفت قدراً من الازدهار. وفي مثل ذلك السياق وذلك الإطار، برزت ميول لدى أغلبية الفئات الاجتماعية نحو تبنّي أفكار جديدة تدعو إلى الحداثة والتحرر الاجتماعي. وتلك الأفكار كبحتها الحرب العالمية الثانية، ثم عادت للبروز خلال سنوات الستينات من القرن ذاته، إذ كانت أحداث شهر مايو من عام 1968، المعروفة بتوصيف «ثورة الطلبة» أهم تعبيراتها.
المؤلف في سطور
جون لوكاتش. مؤرّخ أميركي من أصل هنغاري ــ مجري، درّس التاريخ الأوروبي في جامعات جون هوبكنز وكولومبيا وبريستون. قدّم عشرات المؤلفات، من بينها: خمسة أيام في لندن، تركة الحرب العالمية الثانية، الجمهورية الجديدة.
الكتاب: تاريخ مختصر للقرن العشرين
تأليف: جون لوكاتش
الناشر: بلكناب برس نيويورك ـ 2013
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
A short story of the twentieth century
Jon Lukacs
Belknap Press
New York ذ 2013
240 pp
