عرفت القارّة الأوروبية مساراً تاريخياً مضطرباً كان أوج عنفه في القرن العشرين، إذ انطلقت من القارة القديمة، كما يطلقون على أوروبا، حربان كونيتان مدمرتان، ذهب ضحيتهما ملايين الأوروبيين. لكن، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تركت أوروبا مخرّبة، شرع الأوروبيون في البحث عن سبل الابتعاد عن الحروب وويلاتها وتوحيد الصوت الأوروبي على المسرح الدولي. وكانت الخطوة الأولى هي توقيع «معاهدة روما» في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين. وهناك، حالياً، 27 دولة أوروبية تنضوي في إطار الاتحاد الأوروبي.

لكن أوروبا تواجه، رغم ما حققته على صعيد مسيرة توحيد صوتها، العديد من الرهانات والتحديات الراهنة والمستقبلية. هذه الرهانات والتحديات هي موضوع كتاب المفكرين المعروفين، إدغار موران (الفرنسي) وماورو سيروتي (الإيطالي)، تحت عنوان «أوروبا التي نريدها». ويحاولان فيه الإجابة عن سؤال اختاراه عنواناً فرعياً لعملهما، مفاده «تحلل أم انبعاث؟».

يشير المؤلفان بداية، إلى صعود أوروبا لتصبح بمثابة مركز للعالم بعد الثورة الصناعية الكبرى. وكانت بداية ذلك الصعود مع «الوصول إلى أميركا ـ العالم الجديد ـ والسيطرة عليها والدوران حول العالم والتأسيس لمرحلة كونية ـ معولمة ـ في التاريخ الإنساني». ويلفتان في الإطار، إلى أن الأوروبيين لم يكتشفوا أميركا ــ العالم الجديد ـ فحسب، ولكنهم جعلوها تعيش حسب الإيقاع الغربي وعلى نمط معولم.

من السمات الأولى التي يؤكّدها المؤلفان في الواقع الأوروبي، حالياً، أن أوروبا لم تعد مركز العالم. هكذا، وبعد قرون من التوسع والتمدد وبسط النفوذ، عادت أوروبا إلى حجمها لتغدو «قوّة محيطية» بالنسبة للمراكز صاحبة القرار في إطار العولمة الليبرالية السائدة. وبذا، حسب المؤلفين، فإنه من المطلوب تجاوز الفكرة التي سادت في القرن التاسع عشر عن مفاهيم الأمّة..

وما ترتب عليها من تأكيد السيادة الوطنية. وذلك من أجل البحث عن سبل تعزيز الانتماء الأوروبي الأوسع والأشمل من مختلف حدود الدول التي يتشكّل منها الاتحاد الأوروبي. فمن خلال هذا الانتماء يمكن للقارّة الأوروبية أن تصبح قوة فاعلة بفضل «العولمة» وليس العكس. لكن هذا يتطلب بالضرورة تجاوز جميع «الإغراءات ببلوغ العظمة»، باسم النزعات القومية.

ومن الميزات الأساسية التي يؤكّدها المؤلفان في هذا الكتاب ـ البيان، عن أوروبا «اليوم.. وغداً»، هي أنها واحدة ومتعددة في الوقت نفسه.

كانت أوروبا، كما يرسمها المؤلفان، أثناء حقبة طويلة وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، قارّة الحروب وعدم التسامح والنزاعات العقائدية ومحاكم التفتيش. ومن المطلوب تذكّر كل ما عرفته أوروبا من بربرية، من أجل بناء شيء جديد. وهذا يستدعي الانفتاح على الآخر وليس تهميشه لمجرد خلاف في الرأي أو اللون أو المعتقد. ويدعو المؤلفان إلى نوع من الفيديرالية الأوروبية والتعبئة العامّة الشاملة من أجل تحقيقها: التعبئة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.

ينتهي المؤلفان إلى نوع من دعوة الأوروبيين إلى عدم نسيان التاريخ وعدم نسيان البربرية التي اجتاحت أوروبا. ويبقى المعياران اللذان ينبغي أن يحكما المسيرة الأوروبية، كما يريد لها المؤلفان، احترام كرامة الإنسان وحرّيته.

 المؤلفان في سطور

إدغار موران. أحد أشهر المفكرين الفرنسيين المعاصرين على الصعيد العالمي. ترجمت أعماله الأساسية إلى العديد من اللغات الأجنبية. ساهم في المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. اتخذ مواقف جريئة حيال حرب التحرير الجزائرية. كما طالب بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، متجاوزاً أصوله اليهودية. لديه أكثر من 50 كتاباً، من بينها: من أجل الخروج من القرن العشرين.

وماورو سيروتي. سياسي وفيلسوف إيطالي. متخصص في فلسفة العلوم. من مؤلفاته: أوروبا في عصر العولمة.

 الكتاب: أوروبا كما نريدها: تحلل أم انبعاث؟

تأليف: إدغار موران وماورو سيروتي

الناشر: فايار ـ باريس ـ 2014

الصفحات: 128 صفحة

القطع: الصغير

 

 

Notre Europe

Edgar Morin et Mauro Ceruti

Fayardذ Paris ذ 2014

128 pp.