ارتبط تاريخ الهند الحديث بشخصية المهاتما غاندي، «أب الاستقلال» كما يطلقون عليه. لكن لغاندي حياته ومساره، قبل أن يجعل من استقلال بلاده عن سلطة التاج البريطاني قضيّة حياته حتى نهايتها. والكاتب والمؤرّخ والأستاذ الجامعي الهندي، راماشاندرا غوها الذي قدّم سابقاً كتاباً عن «الهند بعد غاندي»، يكرّس عمله الجديد لـ«غاندي ما قبل الهند»، أي لسيرة حياته قبل أن يصبح المهاتما غاندي.

يرسم راماشاندرا غوها، صورة للزعيم الهندي الكبير كـ«كائن إنساني»، مثل بقية البشر وليس كـ«بطل أسطوري»، كما قدّمه غالبية الذين تعرّضوا لكتابة سيرة حياته. ولعل غاندي حظي بأكبر قدر من كتب السيرة المكرّسة له، بين كبار الشخصيات التي عرفها التاريخ الإنساني. وعلى رأسها، تلك التي صدرت في سنوات الخمسينات من القرن الماضي، لمؤلفها د. ج. توندلكار، والمكونة من ثمانية أجزاء. وفي كل الحالات لا يتردد مؤلف الكتاب بوصف غاندي أنه «الشخصية الأكثر تأثيراً في القرن العشرين».

هكذا نتعرّف من خلال هذه السيرة، لأحد العارفين بعمق للتاريخ الهندي، إلى «غاندي طالب الحقوق» في إحدى جامعات العاصمة البريطانية لندن. و«غاندي الأب» الذي لم يكن دائماً بالقرب من أبنائه. ويشرح المؤلف أنه كان لغاندي علاقات متوترة جداً مع ابنه البكر، وأنه لم يفهم جيداً طموحات هذا الابن. ويعيد راماشاندرا غوها تلك العلاقة المتوترة، إلى زواج غاندي المبكّر.

إذ كان في الثامنة عشرة من عمره. وهكذا كان يعيش «أزمة سن الأربعين» عندما كان ابنه يعيش أزمة المراهقة. وهكذا كان لا بد من أن يتواجها. وهكذا أيضاً كان لا بد من أن «تتعقّد علاقتهما». وفي المحصلة، أحسّ الابن بأنه تحطّم بسبب عدم اعتراف الأب بكفاءاته.

و«غاندي الزوج» يحظى أيضاً بالاهتمام في هذا الكتاب. إذ كان قد تزوّج على الطريقة الهندية التقليدية. وكان يهمل شريكة حياته أحياناً، ما أثار في فترة أولى، توتراً كبيراً داخل المنزل. لكن مع مرور الزمن عرف الزوجان كيف يتعايشا، كل منهما مع الآخر. فأصبح هو أكثر تسامحاً بينما أصبحت هي أكثر حزماً.

ويرسم غوها بداية، صورة «مهنداس غاندي» المحامي الشاب المتدرّب في إطار نقابة المحامين في العاصمة البريطانية لندن، حيث كان يلبس على رأسه قبعة عالية مزدانة بالريش على غرار المحامين. لكنه كان لا يلبس دائماً سترة داخلية كي يوفّر كلفة غسلها.

ويضيف ـ المؤلف ـ أنه يريد هو أيضاً أن ينهج السبيل ذاته، ولكن بهدف تجاوز من سبقوه وتقديم «صورة أكثر اكتمالاً» لغاندي. ذلك ليس اعتماداً على كتابات المهاتما نفسه، كما فعل سابقوه، ولكن بالأحرى على المقالات الصحافية التي أهملت. وكذلك على المحيط المقرّب من غاندي وعلى صداقاته.

يوضح المؤلف أنه توجّه «مهنداس غاندي» إلى جنوب إفريقيا ليعمل في سلك المحاماة، بعد «فشله في تلك المهنة بمسقط رأسه بقوجارات»، بعد إنجاز دراساته في لندن. وكان عمره 23 عاماً عندما وصل إلى جنوب إفريقيا، ومكث فيها أكثر من عقدين. ويرى المؤلف أن تلك التجربة والناس الذين تعرّف إليهم من «المناضلين من أجل العدالة» في بلد التمييز العنصري، هي التي صاغت شخصية «المهاتما» الذي أصبح مؤسس الهند الحديثة.

ولا يتردد المؤلف في القول إنه لو لم يخرج غاندي إلى جنوب إفريقيا، وبقي في قوجارات وحقق نجاحاً فيها، كان قد تأقلم مع عاداتها ومع ضيق الأفق لأسرته التجارية. وفي جنوب إفريقيا تعرّف غاندي إلى الهند بتنوعها اللغوي «الهندي والتامولي والبنغالي». وعرف أن «الهند ليست قوجارات فقط».

الخلاصة التي يخرج بها المؤلف من دراسته لأكثر من عقدين من الزمن عاشهما غاندي في جنوب إفريقيا، هو أنه اكتسب خلالهما الكثير من الأفكار والمفاهيم حول ضرورة التعايش بين الأديان والمعتقدات في الهند، وخاصة بين المسلمين والهندوس، ووضع حد للتمييز على أساس فئوي وللتمييز العنصري.. إلى جانب تبنّي سياسة اللاعنف في النضال من أجل استقلال الهند.

 المؤلف في سطور

 راماشاندرا غوها. كاتب ومؤرخ هندي. أنجز دراساته في كالكوتا ودلهي. مارس مهنة التدريس في جامعات يال وبيركلي الأميركية وغيرهما. اختارته مجلة «بروسبيكت ماغازين» في عداد المفكرين الأكثر تأثيراً في العالم لعام 2013. قدّم عشرات المؤلفات، بينها: الهند بعد غاندي.. تاريخ أكبر ديمقراطية في العالم.

 الكتاب: الكتاب: غاندي ما قبل الهند

تأليف: تأليف: راماشاندرا غوها

الناشر: الناشر: ألن لين- نيويورك 2013

الصفحات: الصفحات: 688 صفحة

القطع: القطع: المتوسط

 

 

Gandhi before India

Ramachandra Guha

Allen Lane ذ New York ذ 2013

688 pp.