تسود في العالم الغربي، منذ سنوات، نقاشات حادّة حول صعود ظاهرة اليمين المتطرّف الذي يستخدم «حصان النزعة الشعبوية»، بمعنى اللعب على المشاعر الشعبية وإثارتها، من أجل كسب الجماهير الشعبية. وهذه النزعة تثير مخاوف الكثيرين، بما تحمله من مشاعر العداء للآخرين، وعلى رأسهم المهاجرين. وهي بالتحديد موضوع كتاب عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي: رافايل ليوجييه الذي يحمل عنوان: «هذه النزعة الشعبوية الآتية».

يطرح رافايل ليوجييه في البداية، السؤال التالي: هل دخل العالم الأوروبي في مرحلة تسود فيها النزعة الشعبوية، مثل تلك التي كانت عرفتها القارّة القديمة، أوروبا، خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، العشرين؟ ويشرح في معرض الإجابة عن هذا السؤال، ما يعتبره «المكونات الأساسية» للنزعة الشعبوية المتصاعدة في أوروبا بـ«نسختها السائدة»، خلال السنوات الأخيرة، كما يدل صعود اليمين المتطرف الذي يستغلها كمحرّك لحملاته الانتخابية في العمليات الانتخابية بكل مستوياتها.

يشير المؤلف إلى أن النزعة الشعبية الصاعدة تتغذّى من «مشاعر الحرمان» الجماعي في مختلف بلدان أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، بسبب تراجع مكانتها على المسرح الدولي، مؤكداً أن دعاة النزعة الشعبوية يجعلون من أنفسهم المدافعين عن الشعوب بكل مكوناتها وشرائحها ضد السقوط المعلن. ومن خلال هذا الموقف ينأى المعنيون عن النزاعات والمنافسات القائمة بين معسكري اليمين واليسار، في السواد الأعظم من البلدان الأوروبية.

يشرح ليوجييه أن اللاعبين على المشاعر الشعبية يرفعون شعار الخوف والتخويف من الذين يطلقون عليهم «أعداء الداخل». فهؤلاء الأعداء تغيّروا، حسب الفترات التاريخية. ويجسّدهم، حالياً، في أوروبا، مجموعة المهاجرين القادمين من البلدان الإسلامية، خاصّة من بلدان شمال إفريقيا وبلدان إفريقيا، جنوب الصحراء.

و«التغيّر» الراهن لا يمس هويّة أعداء الداخل من موقع إيديولوجي، ولكنه يتبع مؤشرات استطلاعات الرأي العام في منظور انتخابي. ويشير المؤلف صراحة إلى أن هناك نوعاً من التضخيم والتهويل المقصود من قبل دعاة حماية الثقافة الغربية وحماية الفرنسيين الحقيقيين من أعداء الداخل. وما يعني حيال الوجود الإسلامي المتنامي في عدّة بلدان أوروبية، مثل: فرنسا.

أصحاب «النزعة الشعبوية» يقدمون هذا الوجود، كما يبين المؤلف، كأنه تهديد لـ«الأمن الوطني» ولـ«الهويات الوطنية» في البلدان المعنية.

لكن بعض المثقفين رفعوا أصواتهم ضد مختلف أشكال التمييز.. وضد الإدارات الاستعمارية، منذ بدايات القرن العشرين. يرى المؤلف أن أصحاب النزعة الشعبوية «يلعبون» على مشاعر إحساس الأوروبيين بالحصار وبالتهميش، من أجل التوجّه لجميع الشرائح، مهما كانت مواقعها السياسية والاجتماعية، بهدف الدعوة إلى النهوض من جديد، باسم الدفاع عن الشعب الذي يتعرّض للعدوان الخارجي عليه..

وعلى هويته الوطنية. ويستخدمون العودة للتاريخ في خطابهم للمحافظين، عبر تذكيرهم بالفتوحات الإسلامية لإسبانيا. وبالنسبة للتقدميين، يذكّرون بالتهديد الذي يثقل على «الحداثة». ويحاول مؤلف الكتاب، عبر أبحاثه كافة، دقّ نواقيس الخطر وتوجيه إنذار من المزالق والجنوح اللذين ربما يقود إليهما الفكر القائم على التلاعب بالمشاعر الشعبية، عبر الخروج من منطق الاحتجاج الذي يسمح به هامش التطرف اليميني أو اليساري.. خروج يتغذّى من مشاعر جمع الناس باسم الشعب الحقيقي، وفي ما هو أبعد من الانتماءات الحزبية.

 

 

المؤلف في سطور

 

رافايل ليوجييه. عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي. يعمل أستاذاً جامعياً لدى معهد الدراسات السياسية في مدينة «إكس ـ أون ـ بروفانس» في جنوب فرنسا. يسهم بالكتابة في مجلة «لوبوان» الباريسية. سبق له وقدّم العديد من المؤلفات، في عدادها: أسطورة جعل المجتمعات الغربية ذات طابع إسلامي.. دراسة وسواس جماعي، الاهتمام بالذات ووعي العالم.

 

الكتاب: هذه النزعة «الشعبوية» الآتية

تأليف: رافايل ليوجييه

الناشر: تكستويل - بروكسل - 2013

الصفحات: 112 صفحة

القطع: الصغير

 

 

Ce populisme qui vient

Raphael Liogier

Textuel - Bruxelles ذ 2013

112 pp