تتردد، حالياً، مقولة شائعة، مفادها أن العالم يعيش في إطار العولمة الليبرالية السائدة، مرحلة «سيادة اقتصاد السوق». ومؤرخة الاقتصاد الفرنسية، لورنس فونتين، تكرّس كتابها الأخير لدراسة السوق على أساس أنها «مكسب اجتماعي»، وهي تدرس «تاريخها واستخداماتها»، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
تشير المؤلفة أوّلاً، إلى مفارقة كبيرة يعيشها العالم، تتمثّل بوجود أزمة اقتصادية ضاغطة، من جهة، يتفق الجميع على أن مصدرها الرئيسي هو أنماط السلوك غير المسؤولة التي انتهجتها الأسواق المالية العالمية، وأدّت إلى انفجار الأزمة في الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008. ومن جهة أخرى، هناك الملايين من البشر الفقراء الذين يحلمون بالوصول إلى المنتجات المعروضة في الأسواق. إذ يبادلون «أشياء ليست ذات قيمة كبيرة، بأشياء أخرى يمكن أن تنتشلهم من براثن الحاجة».
تعرّف المؤلفة السوق أنها كانت على مدى مسار التاريخ الإنساني كلّه، مؤسسة للمبادلات. والتأكيد أن هذه المؤسسة عرفت أيضاً في مسار تطورها كلّه، أشكالاً من عمليات عدم الضبط، بحيث استخدمت من قبل أناس جشعين، بغية تحقيق غاية واحدة، وهي تجميع الثروات على المدى القصير. كما تحدد المؤلفة وظيفة أخرى رافقت السوق منذ البداية. إذ إنه أفسح مجالاً لبلوغ فرص العمل بالنسبة لأولئك الذين لا يتطلب ذلك منهم أية كفاءات خاصّة.
ترى المؤلفة أن غياب الضوابط في الأسواق يعود، جزئياً على الأقل، إلى مشاعر النفور التي سادت لفترة طويلة، من المال، ذلك باسم المبادئ الأخلاقية والعقائدية. وتلك المشاعر لم تكن بعيدة عن مقولات وتوصيفات للأسواق تنعتها بـ«الديكتاتوية» كما يبدو من تكرار تعبير استخدمه كُثر وبسياقات مختلفة، في الحديث عن «ديكتاتورية الأسواق».
من الأدوات التي تلجأ لها المؤلفة من أجل كتابة تاريخ السوق، سردها للكثير من الحكايات عن شبكات التجّار في أوروبا خلال العصور الوسطى. وتشير في هذا السياق إلى حدث اكتشفته أثناء زيارتها لمعرض نظّمه سكان مدينة غرونوبل الفرنسية، ومضمونه أنه كانت توجد أسرة من سلالة زارعي الزهور، تركت الجبال الوسطى في القرن التاسع عشر، ونزلت إلى المدينة لـ«تبيع بصلات الأزهار في أسواق امتدت إلى البرازيل».
لكن المؤلفة تعتمد أيضاً، على استعراض النظريات والأفكار التي قال بها «آباء الفكر الاقتصادي الليبرالي»، وفي مقدمتهم آدم سميث. كما تعتمد في الكثير من تحليلاتها لآليات عمل السوق لدى الشرائح الفقيرة، على أعمال الاقتصادي الهندي الحائز جائزة نوبل أمارتيا صن، لتشير إلى قدرات المبادرات التي يمكن للسـوق أن تحررها لدى من هم الأكثر فقراً.
وتفتح المؤلفة هنا قوسين لتلفت إلى أنه مجرّد الحديث، حالياً، عن السوق، يؤدّي إلى تصنيف المتحدّث أنه من معسكر اليمين. ولا تتردد في التأكيد أنها ترفض تصنيفها من اليمين أو من اليسار.
ما تؤكّده المؤلفة أيضاً، هو أن المناطق الريفية ساهمت في نشوء الأسواق وازدهارها. وأن أولئك التجار الذين اعتمدوا في أعمالهم على الحسابات المالية في العصور الأولى، لبروز الرأسمالية، إنّما كانوا قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه، عبر بيع السلع أوّلاً سيراً على الأقدام أو على ظهور الأحصنة، وصولاً إلى مدينة البندقية وليون وأمستردام.. ومدن أوروبية أخرى كثيرة.
تبين المؤلفة أن «الأسواق»، بما تعنيه من مبادلات وتجارة، رافقت نشوء المجتمعات؛ هذه هي إحدى الأطروحات التي تطوّرها لورنس فونتين في تحليلاتها. لكن على أساس عدم فهم السوق على أنها تعني عملية بيع وشراء منتجات وسلع ما بـ«أسعار يجري نقاشها». وتوضح أن السوق تقيم أيضاً، علاقة مساواة بين البائع والشاري. والاثنان يتناقشان حول السعر منذ بداية تكوّن الأسواق، وذلك ما ترى فيه المؤلفة «بداية السلوك الديمقراطي».
المؤلفة في سطور
لورنس فونتين. مؤرخة فرنسية متخصصة في الاقتصاد. قدّمت العديد من الدراسات والمقالات في الصحف والدوريات الفرنسية، عن مسار التطوّر الذي عرفه الاقتصاد العالمي، خاصّة في مجال تبدياته الاجتماعية. لديها عمل شهير بعنوان «الاقتصاد الشفهي»، ناقشت فيه مسائل الفقر والديون والثقة في أوروبا الصناعية. ومن مؤلفاتها، أيضاً «الفقر واستراتيجية البقاء».
الكتاب: السوق.. تاريخ مكسب اجتماعي واستخداماته
تأليف: لورنس فونتين
الناشر: غاليمار - باريس - 2013
الصفحات: 464 صفحة
القطع: المتوسط
Le marché
Laurence Fontaine
Gallimard - Paris- 2013
464 p
