أفكار البشر لها تأثيرها في الأحداث التي يعيشونها ويعيشها العالم. لكن "الجغرافيا عامل حاسم في صناعة التاريخ، من حيث أنها سبب في نشوب الكثير من الحروب، كما شرح الجغرافي الفرنسي الكبير، إيف لاكوست، في كتابه ـ المرجع ـ "الجغرافيا تخدم أوّلا في صناعة الحرب".

الصحافي الأميركي الذي غطّى أغلبية الحروب والنزاعات التي عرفها العالم في العقود الثلاثة الأخيرة، روبرت د. كبلان، يرى أن الجغرافيا تحدد إلى درجة كبيرة، أحداث العالم الذي نعيش فيه، وبالتالي تحدد مستقبل هذا العالم. وهذا ما يشرحه في كتابه الأخير: "ثأر الجغرافيا". ويكرّسه لـ "ما تقوله الخرائط الجغرافية عن نزاعات المستقبل والنضال ضدها"، مثل ما جاء في العنوان الفرعي.

من الأفكار الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف، على مدى تحليلات هذا الكتاب، أن الوديان والشواطئ والجبال والسهول تسهم في صنع التاريخ، أكثر من ما تساهم النظريات الإيديولوجية".

وهو يجد إحدى مرجعياته الهامة لدى المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل، صاحب كتاب "البحر الموسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني". ويصف مساهمته ـ بروديل ـ في تفسير التاريخ وتغيّره "على المدى الطويل"، بالقول انه "أدخل العامل السكاني ـ الديموغرافي ـ والطبيعة نفسها، في التاريخ. وساعد في وضع الجغرافيا في مكانها الصحيح".

كما يشير كبلان، الى أن ابن خلدون فهم جيدا أن الجغرافيا لا تصوغ شخصية الشعوب وطباعها فحسب، بل تحدد، إلى درجة كبيرة، مستقبلها". ويذكر أن ابن خلدون رأى أن الشعوب المرتحلة التي كانت تعيش في السهول والصحارى والجبال، هي التي اخترعت الصيغة الجنينية للمجتمع الإنساني، وحيث كانت السلطة تعتمد فيها على روابط القرابة "العصبية"، ما يعني " مشاعر الانتماء إلى الجماعة"، حسب التعبير المستخدم من قبل المؤلف .

ويقدّم كبلان العلاقة مع الجغرافيا على أنها علاقة مع الواقع، وبالنتيجة، مع سبل صياغة العلاقات الدولية.. وبذا لم تكن بعيدة بالتالي، عن النزاعات والحروب . لكن مثل هذه المكانة التي تجسّدها الجغرافيا جرى تهميشها وطمسها على مدى قرون عديدة في مجال فهم التاريخ . ويرى المؤلف أن فهم أفكار الجغرافيا يتطلّب بالضرورة، البحث عن آراء المفكرين الذين قدّموا مساهمات جوهرية في هذا الميدان. ومحاولة الاستفادة من خبرة راسمي الخرائط الأوائل في التاريخ. ويضع على رأسهم الجغرافي المسلم، الإدريسي، في القرن الثاني عشر.

ويمثّل الكتاب في أحد وجوهه نوعا من التكريم بأولئك الجغرافيين الكبار الانجليز، من أمثال : هالفورد مكندير، مؤسس مدرسة لندن للاقتصاد.

وبالإجمال، يشرح المؤلف أن "الخرائط كانت عنصرا أساسيا في رسم الحدود بين الدول" . وكانت الخرائط أيضا تعبيرا عن مفاهيم: "السيادة" " والسلطة" التي يتمتع بها مركز القوّة.

ما يؤكده المؤلف، في خلاصة تحليلاته لدور الخرائط الجغرافية في فهم التاريخ الإنساني، هو تذكيرنا أن تنوّع الأوساط الطبيعية في الكوكب الأرضي، يفسّر واقع التباين الكبير بينهم، في الثروات. ويفسّر أسباب الشقاق بينهم في الكثير من المشارب شارحا سبب دخولهم في صراعات وحروب في ما بينهم.

 

المؤلف في سطور

 

روبرت د. كابلان. صحافي أميركي، عمل حوالي ثلاثة عقود كمراسل لمجلة "اتلانتيك " الأميركية الشهرية . كان شاهدا عن قرب على مسارح غالبية النزاعات التي عرفها العالم اخيرا. صنّفته مجلة "السياسة الخارجية ـ Foreing Policy" الأميركية، في عداد قائمة أكبر 100 مفكر إستراتيجي في العالم .

عمل لمدة عامين مستشارا لدى وزارة الدفاع الأميركية ـ البنتاغون ـ وهو الآن أحد محللي مجموعة "ستريتفور" للمعلومات الإستراتيجية. قدّم عدّة كتب، بينها : استراتيجية المحارب، أطراف الأرض، أميركا والحدود المأساوية للامبريالية.

 

 

الكتاب: ثأر الجغرافيا

تأليف: روبرت د. كبلان

الناشر: راندوم هاوس - 2013

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط

 

The revenge of Geography

Robert D. Kaplan

Random House - 2013

448 pp.