نشرت الرسائل المتبادلة بين الموسيقيين الكبيرين، ريشارد فاغنر وفرانز ليزت، للمرّة الأولى، في عام 1943. ويعاد اليوم نشرها من جديد، بطبعة جديدة «منقّحة» و«مزاد عليها العديد من النصوص» التي تنشر للمرّة الأولى، ويزيد عدد صفحاتها على 1300 صفحة.

تبيّن هذه الرسائل عمق الصداقة التي كانت قائمة بين الرجلين، رغم اللحظات العاصفة التي عرفتها. كما تسمح بإلقاء أضواء جديدة على سيرة حياة المعنيين.. وعلى العصر الذي عاشا فيه.

وبالطبع، تمثل الرسائل المتبادلة بين«القمتين» مصدراً استثنائياً للحياة الموسيقية الغنيّة التي عرفتها ألمانيا في زمنهما، وأبعد من ألمانيا، في العديد من البلدان الأوروبية التي كانا قد زاراها وعزفا فيها الكثير من نتاجهما، وحيث كان معروفاً عنهما أنهما من هواة الأسفار.

هذه الرسائل جمعها الناشر والخبير في الموسيقى: جورج ليبير. يبلغ عددها 402 رسالة كان الموسيقيان قد تبادلاها خلال سنوات 1840 ـ 1882.

النتيجة الأولى التي يخرج بها معد الكتاب من قراءة هذه الرسائل، تدل على أن الصورة الشائعة التي رسمت دائماً لليزت، هي أنه «عازف البيانو الفاضل»، الأكثر وداعة ودبلوماسية من الصلف والمتعالي فاغنر، والموصوف أيضاً بـ«الشرير» الذي لا يتورّع عن «استغلال أصدقائه».. وأنه من أول المناهضين للسامية في العصر الحديث..

والميّال لحياة البذخ والرفاهية ووصولاً إلى القول إنه أراد «غواية» ابنة صديقه فرانز ليزت. ونجد أن ما تقوله الرسائل شيء آخر. ونقرأ من ما كتبه ليزت في إحدى رسائله بتاريخ 21 سبتمبر من عام 1860، تعليقاً على رسالة تلقاها من صديقه: «العزيز جداً ريشارد. لا أزال تحت سحر رسالتك. ولا زلت أحس عند قراءتها بأنني أتنشّق نسيم الجبال اللطيف والمنعش».

وعلى تلك الرسالة يجيب فاغنر بتاريخ 13 سبتمبر، أي في اليوم التالي: «فليباركك الله صديقي فرانز. بإمكانك أن ترى في ثرثراتي الطويلة الرغبة الكبيرة لدي في أن أحس بأنني قريب منك من جديد». ي

وضح الكتاب أنه التقى فاغنر وليزت للمرّة الأولى، في بداية سنوات الأربعينات من القرن التاسع عشر، في باريس، والتي يشير فاغنر في أحد رسائله اللاحقة، إلى أنه لا يحبها. وجرى تبادل الرسائل بينهما اعتباراً من شهر مارس عام 1842. بدأ ليزت رسالته الأولى لفاغنر بكلمة «السيد فاغنر»، وأظهر فيها نوعاً من الاستعطاف لمن يخاطبه. ثم توطدت الصداقة بينهما في ألمانيا، بعد عقد من لقائهما الأول.

وكان فاغنر يقترب من سن الثلاثين، بينما كان عمر ليزت يزيد عليها بقليل. ويبدو بوضوح من خلال الرسائل المتبادلة، أن فاغنر كان موضوع «تعظيم» من قبل صديقه ليزت. وبعد تبادل عدّة رسائل، تعوّد فاغنر على أن يبدأ رسائله لصديقه بتعبير «العزيز ليزت» وينهيها بـ«ومودتي لك. معذّبك». ّومن السمات المهمّة التي تتصف بها هذه الرسائل، أن المعنيين بها يتبادلان من بعيد، الكلمات الأفكار والآراء والشكوك حول القضايا المطروحة في عصرهما.

ويعترف ليزت في العديد من رسائله بالموهبة الاستثنائية الرائعة التي يمتلكها صديقه، وبطريقة نادرة من قبل موسيقي يدفعه طموحه إلى البحث عن مكانة مميزة له عن الآخرين. بالتالي كان يبدو من الطبيعي أن تقوم بينهما خصومة أو حتّى نزاع. لكن الغالبية العظمى من الرسائل الـ402 التي يحتويها هذا العمل، تدلّ على عمق الصداقة والإعجاب، بل والوفاء الاستثنائي بين فنانين كبيرين في عالم الموسيقى، كانا في المرتبة نفسها من الموهبة والشهرة.

وكان ليزت الهنغاري ـ المجري ـ قد نال شهرة كبيرة كعازف بيانو فريد. وبالمقابل كان فاغنر «ألمانياً» متعصباً.

مع ذلك كانت الفترة الوحيدة التي ساءت علاقتهما هي تلك التي بدا فيها أنه كانت هناك علاقة عاطفية بين فاغنر و«كوزيما» ابنة ليزت، المتزوجة برئيس الجوقة الموسيقية التي كان الجميع يعملون فيها. نطلع في الكتاب، على مجموعة تفاصيل غامضة، مهمة، تفسر لنا حقيقة علاقة عملاقي الموسيى، وما تخللها من محطات ووقفات، كانت فيها الكثير من المشكلات وأيضا الحميمية، لكن الامر الأبرز، يبقى ذاك الخلاف الذي نشب بينهما، إثر علاقة فاغنر بابنة ليزت.

 المؤلفان في سطور

 ريشارد فاغنر. مؤلّف موسيقى ألماني من القرن التاسع عشر. قدّم 15 أوبرا موسيقية نالت شهرة عالمية، إضافة إلى العديد من الأعمال الكتابية الفلسفية. له مكانة استثنائية في تاريخ الموسيقى الغربية.

وفرانز ليزت. مؤلف موسيقي وعازف بيانو هنغاري. عاش في القرن التاسع عشر. يعده النقّاد الموسيقيون أحد الآباء المؤسسين لفن البيانو في العصر الحديث الأوروبي.

 الكتاب: مراسلات.. ريشارد فاغنر - فرانز ليزت

تأليف: ريشارد فاغنر، فرانز ليزت

الناشر: غاليمار - باريس - 2013

الصفحات: 1317 صفحة

القطع: الصغير

 

Correspondance

Richard Wagner, Franz Liszt

Gallimard - Paris- 2013

1318 pp