من المعروف أن الحقيبة الدبلوماسية تحمل الكثير من الأسرار، على اعتبار أنها بمنجاة من الرقابة، ولا يحق لأي جهاز أمني أو غيره، فتحها والاطلاع على ما تحتوي بداخلها، سوى الجهات الموجهة لها. ومن هنا بالتحديد نقلت الكثير من الأسرار والحكايات التي ترتبط بها.
هذه الأسرار والحكايات التي لا يخلو بعضها من الغرابة ومن «الخفّة» أحياناً، هي موضوع الكتاب الذي يقدمه عضو مجلس العموم البريطاني السابق، ماتيو باريس، والصحافي الاقتصادي في «بي بي سي» البريطانية، آندرو برايزن، تحت عنوان: «حقيبة السفير الإسباني»، والذي يحتوي على «حكايات من الحقيبة الدبلوماسية»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
يتعرّض المؤلفان في هذا العمل، إلى الحكايات والوقائع الطريفة التي عرفتها كواليس وزارة الخارجية البريطانية، على مدى عدّة عقود. وكان أبطالها من الدبلوماسيين. وفي طليعة هؤلاء، السفراء الذين قاموا بتمثيل التاج البريطاني في العواصم التي عملوا فيها. وكان ماتيو باريس، أحد مؤلفي هذا الكتاب، قد عمل هو نفسه، لسنوات، في سلك وزارة الخارجية البريطانية.
كانت الدبلوماسية وعلاقات الدول هي في صميم مهمة المعنيين. لكن، كان العديد من هؤلاء يتسمون بقدر كبير من الغرابة في سلوكهم. المثال المعبّر عن تلك الغرابة، يجسّده إيان دافيدسون، السفير البريطاني في لاوس خلال سنوات السبعينات من القرن الماضي، كما يروي المؤلفان. وكان ذلك السفير يتجوّل في سيارته الخاصّة بشوارع لاوس وهو يلبس «قبّعة مزدانة بالريش».
أمّا هوايته الكبرى فلم تكن الدبلوماسية، بل الانكباب على «تأليف كتب الطبخ وتحضير الأطباق الشهيّة». والإشارة إلى أن هذه الكتب بالتحديد هي التي جعلته في عداد المشاهير ببلاده، بينما لم يعرفه سوى القلّة القليلة من خلال عمله الدبلوماسي.
ويرى المؤلفان أن فتح الأرشيف المعني أمام عامّة الناس، كشف عن «حكايات صغيرة في غاية الطرافة». هذا فضلاً عن إبراز ما كان يجري في الكواليس من دسائس ديبلوماسية حيال الخصوم والأصدقاء. وهكذا «كانت فرنسا» في الكثير من الأحيان «كبش الفداء» في المناورات الدبلوماسية البريطانية. ذلك على غرار العلاقة التي تتسم، في الوقت نفسه، بقدر كبير من التقارب. ولكن أيضاً، من المنافسة على المصالح ومناطق النفوذ في العالم.
من المحاور الأساسية التي يوليها المؤلفان اهتمامهما، الطريقة التي كان الدبلوماسيون يصيغون فيها تقاريرهم. والإشارة إلى أن العديد من تلك التقارير كان فيها ما يمكن أن تُستشف منه مشاعر ذات خلفية عنصرية.
وليست قليلة أيضاً الرسائل الموجّهة من دبلوماسيين بريطانيين وفيها معلومات «عبثية». ذلك مثل تلك التي ذكرها السفير البريطاني في ألمانيا عام 1934 إريك فيبس، عندما تحدّث في رسالته لوزارته عن حذاء التنس الأبيض الذي كان ينتعله.
من المشارب التي يوليها المؤلفان اهتمامهما، هناك الصورة التي يريدان رسمها للدبلوماسيين البريطانيين في القرن الماضي، العشرين. ويعتبران أن أولئك الدبلوماسيين أعطوا بصورة عامّة مثالاً جيداً لممارسة الدبلوماسية. وذلك ضمن المعايير التي يضعانها للدبلوماسي الجيّد.
من الحكايات الطريفة التي ينقلها المؤلفان، أن اليابانيين استقبلوا خطأ في منطقة «هوكايدو» اليابانية، ممثل التاج البريطاني، على أنه السفير الفرنسي في بلادهم. ومما كتبه الديبلوماسي البريطاني لوزارته، هو أنه انتهز الفرصة وألقى كلمة باللغة الإنجليزية المشرّبة بلكنة فرنسية واضحة. وأثنى كثيراً في كلمته، على روسيا التي كان اليابانيون يكنّون لها الكثير من الحقد. واعتبر هؤلاء أن ما سمعوه يعبّر عن الموقف الرسمي الفرنسي.
وفي العموم، يحتوي هذا الكتاب على كم كبير من الحكايات الديبلوماسية، الزاخرة في أحيان كثيرة بالدعابة و«الغرابة». حكايات نقلتها «الحقيبة» المكرّسة لهذه المهمة، والتي تتمتع بحصانة ديبلوماسية هي الأخرى، على غرار العاملين في هذا السلك.
المؤلف في سطور
ماتيو باريس. من مواليد إفريقيا. ترعرع في قبرص وجامايكا وبريطانيا. عمل لسنوات في وزارة الخارجية البريطانية خلال سنوات حكم مارغريت تاتشر، قبل أن يصبح أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني عام 1979. ثم تخلّى عن مقعده بعد سبع سنوات، كي يتفرّغ للعمل الإعلامي التلفزيوني والمكتوب.
آندرو برايزون. صحافي في القسم الاقتصادي في إذاعة «بي بي سي» البريطانية. ويعمل كذلك في ميدان الإنتاج الإذاعي.
الكتاب: حقيبة السفير الإسباني.. حكايات من الحقيبة الدبلوماسية
تأليف: ماتيو باريس واندرو برايزون
الناشر: بنغوان ـ لندن ـ 2013
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
The Spanish شs Ambassador suitcase
Matthew Parris
Andrew Bryson
Penguin - London ذ 2013
400 pp
