الأخيرة بفرنسا، عن ظاهرة "التهميش" التي تعاني منها أعداد كبيرة من الفرنسيين. هؤلاء هم الذين يطلق عليهم المؤرّخ الفرنسي والأستاذ في "الكوليج دو فرانس"، بيير روزانفالون، توصيف "غير المرئيي"، بمعنى "غير الظاهرين في المشهد الاجتماعي.

ويُبيّن المؤلف أن هؤلاء الذين "لا يظهرون في المشهد" يضمّون شريحة واسعة من العاملين في مختلف المجالات، وعلى مختلف المستويات. بينهم السائق وعامل نقل المشتريات للمنازل والباحث والموظف.. لكن ماذا يعرف الآخرون عن حياتهم؟ يسأل بيير روزانفالون.

موضوع هذا الكتاب، محاولة الإجابة عن هذا السؤال. وذلك من خلال إعطاء الكلام للمعنيين. ويؤكّد بداية، أن هؤلاء يُشكّلون شريحة هامة و"متعاظمة" من المجتمع الفرنسي حالياً. ويعتريهم الإحساس أنهم "متروكون منسيون، لا يفهمهم أحد ولا يستمع لهم أحد". وفي الوقت نفسه، لا يشعر المعنيون أن هناك من يمثلهم في "البرلمان المنتخب". ومن هنا بالتحديد، أراد المؤلف أن يعطيهم الحديث ليمارسوا دور "برلمان غير الظاهرين في المشهد". إذ لا يمثّلهم أحد. هذا ما اعتبره غاية الكتاب. والمطلوب يحديده المؤلف بـ:

"الخروج من الحالة المقلقة التي وجدت البلاد نفسها فيها". والمساهمة في "دحر الإيديولوجيات المتركّزة على الهوية وعلى الانكفاء على الذات، من ما يؤسس للصعود القوي للنزعات التي تلعب على المشاعر الشعبية ــ الشعبوية ـ وعلى العنصرية".

ومن ما يشرحه بيير روزانفالون، أن المجتمع الفرنسي أصبح "غير مقروء". ذلك أن جزءاً هاماً من الفرنسيين"لم يعودوا يظهرون في المشهد". كما يرى أن الخطاب السياسي السائد لا يأخذ باعتباره المسائل التي تهم الحياة اليومية للناس العاديين. إنه "ينظر إلى المجتمع بمنظار قديم ويخنقهم بلغته الخشبية".

وهذا في الوقت الذي تغيّر فيه المجتمع كثيراً، ليس في اتجاه أنه أصبح أكثر فأكثر نزوعاً نحو الروح الفردية، ولكن أيضاً بسبب "التحولات العميقة التي عرفها الاقتصاد". ذلك كنتيجة للآثار التي ترتبت على تكنولوجيات الثورة الرقمية، والتي غيّرت كثيراً من شروط العمل. هكذا لم يعد فهم الظروف الاجتماعية كافياً وحده من أجل فهم المجتمع المعني وآليات عمله. وأصبح من المطلوب فهم الظروف الشخصية للأفراد من أجل فهم المجتمع.

ويرى المؤلف أن فقدان الثقة في مجتمع تتضاءل فيه رغبة معرفة الآخر، لا بدّ وأن ينتج بصورة "آلية، ميكانيكية، حالة من العجز والإفلاس والرفض لذلك الآخر. وما يؤكّده، هو أن المجتمع الفرنسي اليوم، ومثله العديد من المجتمعات الغربية، يواجه مثل هذه الحالة التي يمكن أن تحمل، كما يوضح، بذور اللجوء إلى العنف. وفي مواجهة مثل هذا الوضع يجد المؤلف أن هناك ضرورة حقيقية للتحرّك. ويجد الوسيلة في أن لا يبقى البشر "المبعدون عن المشهد العام" متقوقعين على أنفسهم.

ما يؤكّده بيير بيير روزانفالون بالنتيجة، هو أنه هناك الكثير من الفرنسيين يتولاهم الإحساس بأنهم ليسوا "موجودين". وأنه ليس هناك "من يعترف" بتجارب الحياة التي يعيشونها. وبالتالي لا بدّ من استعادة "شرعية تمثيل الآخرين". واستعادة "الثقة" بين البشر المعنيين. هاتان الركيزتان المؤسستان اللتان لا تبرزان في المشهد"، هما، برأيه، السبيل لتأمين حسن سير آليات المجتمع. وهذه هي الرسالة الأساسية لهذا الكتاب.

 المؤلف في سطور

 بيير روزانفالون. مؤرّخ وفيلسوف فرنسي. يعمل أستاذاً في "الكوليج دو فرانس"، حيث يشغل كرسي "تاريخ السياسة الحديث والمعاصر". أطلق، أخيراً، موقعاً إلكترونياً تحت عنوان "حياة الأفكار.. دعونا نروي أحداث حياتنا". وأشرف على سلسلة من الكتب تحت عنوان "دعونا نروي أحداث حياتنا". لديه العديد من المؤلفات حول تاريخ الديمقراطية ومظاهرها الحديثة.

 

الكتاب: برلمان غير الظاهرين في المشهد

تأليف: بيير روزانفالون

الناشر: سويل - باريس- 2014

الصفحات: 74 صفحة

القطع: الصغير

 

 

Le parlement des invisibles

Pierre Rosanvalon

Seuil ذ Paris- 2014

72 pp.