في عام 1985 صدر الكتاب الأول للكاتبة والصحافية البيلاروسية سفيتلانا اليكسيفيتش، تحت عنوان "الحرب ليس لها وجه امرأة". كان موضوعه، الحرب العالمية الثانية والدور السوفييتي فيها. واتهمها كُثر من دوائر السلطة، عند صدوره، بـ"معاداة الروح الوطنية"، لكن غورباتشوف الذي كان على رأس السلطة السوفييتية آنذاك، دعمها.
واحتل كتابها رأس قائمة الكتب الأكثر انتشاراً. وتتالت أعمالها بحيث أثار كل منها، عند صدوره، ضجّة.. بل "فضيحة". وكتابها الأخير "نهاية الإنسان الأحمر"، لا يشذّ عن هذه القاعدة. وهي تعتبره بمثابة العمل الختامي في "موسوعة الحقبة السوفييتية"، التي كانت قد بدأت كتابة "موادها" بأوّل عمل لها عام 1985. ونال هذا الكتاب الأخير" نهاية الإنسان الأحمر"، جائزة "ميديسيز للدراسات" في فرنسا عام 2013، كما كرّسته مجلة "لير"، المتخصصة بالكتب، كـ "أفضل كتاب للعام 2013".
اختارت سفيتلانا اليكسيفيتش لكتابها عنواناً فرعياً ورديفاً للعنوان الرئيسي، يعبّر عن "زمن خيبة الأمل". و"خيبة الأمل" بالتحديد تخص الاتحاد السوفييتي السابق، موضوع هذا الكتاب الجديد أيضاً. وما تسعى إليه المؤلفة هو محاولة "تثبيت الآثار" التي تركها تاريخ سبعة عقود كانت عمر الإمبراطورية السوفييتية، التي قامت عام 1917 وتفككت في عام 1991، بعد انهيار جدار برلين عام 1989.
لقد كانت سبعة عقود عاشها البشر العاديون من رجال ونساء كانوا ينضوون تحت الراية السوفييتية. وقد قامت المؤلفة، وقلمها وآلة تسجيلها بيدها، بمقابلة روس كثيرين من مختلف الشرائح والطبقات الاجتماعية وسألتهم، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية وقناعاتهم عن الكيفية التي يرون فيها ما يحيط بهم، عن آرائهم حول العشرين سنة الأخيرة. وتركز سؤالها خاصّة عن رأيهم بزوال الاتحاد السوفييتي واستقلال العديد من جمهورياته السابقة.
تحدد المؤلفة هدفها منذ البداية من إنجاز هذا الكتاب بالمحافظة على "الذاكرة الحيّة" لتلك "المأساة المسماة الاتحاد السوفييتي". لقد أرادت، كما تقول، أن تروي "التاريخ الصغير للفكرة الطوباوية الكبيرة". وهي فكرة طوباوية من وجهة النظر التي تطرحها.
ذلك أن "الشيوعية كان لديها مشروع لا معنى له إذ أرادت أن تغيّر الإنسان الروسي المكوّن على مدى آلاف السنوات". وتشرح المؤلفة أن القائمين على المشروع السوفييتي للمجتمع، كانوا معبئين بإرادة صياغة نموذج "الإنسان السوفييتي" المعروف بـ "الإنسان الأحمر". ولا تتردد في القول منذ البداية أيضاً، ان ذلك "النموذج المصنوع بالمختبرات" كان محكوماً عليه بالزوال مع "تفجّر الاتحاد السوفييتي".
وتشير في هذا الصدد، الى أن أحداً لم يفكّر في تقديم مسؤولي الاتحاد السوفييتي، إلى محكمة، على غرار محكمة "نورنبرغ"، التي مثل أمامها بعض مسؤولي النظام النازي، رغم أن ضحاياه ـ النظام السوفييتي ـ كانوا بالملايين. وتقارن المؤلفة في كتابها بين "الرعب الشيوعي" و"الرعب النازي".
تؤكّد المؤلفة أنها لا تريد طرح الأسئلة حول المنظومة الاشتراكية، ولكن حول الحب والغيرة والطفولة والشيخوخة. وحول الموسيقى والرقص. وحول آلاف التفاصيل في نمط حياة زال وأصبح ينتمي إلى الماضي.
وتؤكّد بالوقت نفسه، أن الحرب "تعشش" في عقول الروس وفي حكاياتهم وفي تاريخهم الشخصي. وأنه في كل بيت فقيد أخذته الحرب. وحكايات الآباء والأجداد التي لا تنتهي في كل بيت عن الحرب وأهوالها، طبعت بطابعها مخيلة الأطفال التي هي واحدة منهم.
و"نهاية الإنسان الأحمر" هو بمثابة تتمة واستكمال لما كانت المؤلفة قد وصفته من "أهوال" في أعمالها السابقة، عن العالم السوفييتي. وتشرح كيف أن حياة إنسان لا تساوي شيئاً في بلادها.
ونموذج "الإنسان الأحمر" الذي تحاول المؤلفة أن ترسم ملامحه في هذا الكتاب، يتسم بصفتين أساسيتين في موقفه من الحقبة الستالينية، هما: إعلان غضبه أو إبداء خنوعه. وتبين أنه ذلك النموذج لـ "الإنسان الأحمر" بلغ نهايته. ومن ما تقوله المؤلفة عن تلك الحقبة: "بدت الحريّة لنا سهلة. وبعد زمن قصير شعرنا أننا ننوء تحت ثقلها، ذلك أنه لم يعلّمنا أحد الحريّة. علّمونا فقط كيف نموت من أجلها".
المؤلفة في سطور
سفيتلانا اليكسيفيتش. باحثة وكاتبة وصحافية. من مواليد أوكرانيا، لأبوين كانا يعملان في التدريس. ترعرعت وأنجزت دراساتها في مجال الصحافة ضمن دولة بيلاروسيا. أقامت لسنوات في برلين بألمانيا قبل أن تعود للإقامة نهائياً في "مينسك" عاصمة بيلاروسيا. قدّمت العديد من الكتب، حيث كان كل منها حدثاً هاماً. ومنها: الحرب ليس لها وجه امرأة.
الكتاب: نهاية الإنسان الأحمر..أو زمن خيبة الأمل
تأليف: سفيتلانا اليكسيفيتش
الناشر: اكت سود- باريس- 2013
الصفحات: 542 صفحة
القطع: المتوسط
La fin de lصhomme rouge
Svetlana Alexievitch
Actes sudذ Paris - 2013
542 pp.
