أطلقوا على الرئيس الفرنسي الراحل، فرانسوا ميتران، توصيفاً مفاده أنه كان "آخر ملوك أوروبا"؛ وهو الذي كان أول رئيس جمهورية اشتراكي في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958.
إن سيرة حياة فرانسوا ميتران شكلت موضوع العديد من الكتب في فرنسا، واجتمع أصحابها على القول، انه كان أحد أهم الشخصيات الفرنسية، وأحد أشهرها في العالم خلال القرن العشرين. من هنا، تأتي أهمية أول سيرة تصدر عن حياته باللغة الإنجليزية للصحافي البريطاني فيليب شورت، تحت عنوان :" ميتران : دراسة يكتنفها الغموض".
الصورة التي يرسمها فيليب شورت للرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، أنه كان "شخصية يكتنفها الغموض". ذلك على خلفية ما عرفه مسار حياته من مواقف متناقضة. وينقل عنه قوله عندما كان طفلا:" عندما كنت صغيرا كنت أفكر أنني سأصبح بابا للفاتيكان أو ملكا".
يشير المؤلف أوّلا، إلى ولادته عام 1916، في كنف أسرة برجوازية محافظة، إذ مال إلى المجموعات اليمينية المتطرّفة التي عرفتها الجمهورية الفرنسية الثالثة في سنواتها الأخيرة. وهكذا كان قريبا من المنظمة السريّة "القناع ـ الكاغول"، التي اعتمدت العنف من أجل تحقيق أغراضها، لكن من دون أن ينتسب لها فعليا، كما يحدد المؤلف القول.
في الفترة نفسها من حماس الشباب، عرف فرانسوا ميتران "الحب الأول" في حياته. وكان عمره21 سنة وكانت الفتاة في الخامسة عشرة، واسمها ماري لويز تيرّاس. استمرّت علاقتهما 4 سنوات تخلّت في نهايتها عنه، من أجل "دوق بولندي". وحرر لها أكثر من 2000 رسالة زاخرة بالعواطف. وفي مثل ذلك السياق من حياة فرانسوا ميتران، نشبت الحرب العالمية الثانية لتضع نهاية لتوجهه السياسي "اليميني" ولمشروعه "الرومانسي". ذلك لأن ميتران وجد نفسه في أحد معسكرات الاعتقال النازية. ونجح بعد فترة قصيرة بالهرب من معتقله والعودة إلى فرنسا.
بعد عودته مباشرة، بدأت "فترة سياسية خطيرة" في حياته. ذلك أنه كان على صلة مباشرة في القضايا الخاصّة بالمساجين مع حكومة "فيشي" المتعاونة مع الاحتلال النازي. ويغازل بالوقت ذاته المقاومة الفرنسية ضد ذلك الاحتلال. ويؤكّد المؤلف أن ميتران التزم نهائيا بصفوف المقاومة في صيف عام 1943، و"أبدى قدرا كبيرا من الشجاعة" وصولا إلى درجة "التهوّر".
يشرح المؤلف أنه بعد هزيمة النازية وتحرير فرنسا لم يغادر ميتران المشهد السياسي الفرنسي طيلة نصف قرن من الزمن. وأخيرا، في عام 1981، انتخب كأوّل رئيس اشتراكي لرئاسة الجمهورية، وأوّل رئيس يعاد انتخابه بالاقتراع العام ليحكم مدّة 14 سنة كاملة، أي أكثر من أي زعيم فرنسي منذ نابليون الثالث.
كان ميتران شغوفا بالقراءة والثقافة منذ سنوات طفولته. لكن نقطة ضعفه الكبيرة الدائمة على الصعيد الثقافي، والتي عانى منها طيلة حياته يحددها المؤلف بأنه لم يستطع أبدا أن يجيد اللغة الإنجليزية. وعندما أرسلوه صغيرا إلى بريطانيا لتعلّم لغة شكسبير، اكتسب خبرة كبيرة في لعبة "كرة المضرب ـ التنس ـ على العشب ولكن من غير إجادة الإنجليزية". وذلك إلى جانب "نقطة ضعف أخرى يؤكّد عليها فيليب شورت وهي حياته العاطفية المضطربة. وتركز هذه السيرة على مسيرة ميتران السياسية منذ أن أصبح نائبا في البرلمان عام 1946 وحتى وفاته بعد فترتين رئاسيتين عام 1996.
ومن المحطات الأساسية التي يتوقف عندها فيليب شورت طويلا في سيرة حياة فرانسوا ميتران، علاقته مع الجنرال شارل ديغول. ذلك بداية من "الموقف الشجاع" الذي اتخذه عام 1958 ضد ما أسماه الانقلاب على الجمهورية الرابعة وتأسيس الجمهورية الخامسة من قبل الجنرال تلك السنة. والإشارة إلى "النقد العنيف والبارع" الذي وجهه ميتران عام 1964 للجنرال، ثم ترشحه ضده لمنصب رئيس الجمهورية عام 1965.
وفي المحصّلة العامة، يرى فيليب شورت، أن ميتران كان أكثر واقعية من ديغول واستطاع أن يجسّد فرنسا بكل "نواقصه وصغائره ومآسيه وجبنه وعظمته وضعفه وقوته".
المؤلف في سطور
فيليب شورت صحافي بريطاني. أنجز دراساته في جامعة كمبردج. عمل لمدة تزيد على ربع قرن، كمراسل في الخارج، لشبكة "بي بي سي" البريطانية الإعلامية، ولمجلة "التايمز". من مؤلفاته: سيرة حياة ماوتسي تونغ.
الكتاب: ميتران.. دراسة يكتنفها الغموض
تأليف: فيليب شورت
الناشر: بادلي هيد- لندن- 2013
الصفحات: 688 صفحة
القطع: المتوسط
Mitterand
Philip Short
The Bodley Head ذ London - 2013
688 pp.
