تامبل غراندان، سيدة أميركية تحظى بشهرة كبيرة في بلادها، كما في عالم المصابين بمرض التوحّد "الأوتيست". وكانت قد رفضت، وهي في الشهر السادس من عمرها، كما قالت في كتابها عن سيرة حياتها الذاتية، أن تضمّها أمّها إلى صدرها.
وتروي أيضاً، أن أذنيها كانتا تضخّمان الأصوات بطريقة غير محتملة، وأن بعض أنواع الأقمشة كانت تسبب لها حساسية جلدية مفرطة. وعندما كانت في الثالثة من العمر، أبدت رفضها لأي سلوك يراد فرضه عليها. كما أنها لم تكن قد نطقت بأية كلمة. وكان تشخيص الأطباء واضحاً. وهو أنها مصابة بمرض التوحّد.
تامبل غراندان، تلك الطفلة المتوحّدة، أصبحت الآن أستاذة جامعية وأكثر القادرين على التحدث عن مشاعر المتوحّدين مثلها. هكذا بعد أن قدّمت كتباً عدّة عن الحيوان الذي تقوم بتدريسه في الجامعة، وعن عالم التوحّد، تعود إلى هذا الموضوع من جديد في كتاب يحمل عنوان "الدماغ المتوحّد". ويشارك في تحريره ريشارد بينك، الكاتب الأميركي المعروف في مساهماته بمجال الكتابة العلمية.
يتناول الكتاب ظاهرة التوحّد التي تصيب بعض البشر.. وكذا يتحدث عن الدماغ الإنساني. ونجد أن التوحّد والدماغ الإنساني يتداخلان في تحليلات هذا الكتاب، بحكم العلاقة الوثيقة بينهما، والتي تبدو أحياناً بمثابة علاقة السبب بالنتيجة.
تتعرض المؤلفة في مختلف فصول الكتاب إلى الدماغ والسلوك الإنساني، والطريقة التي تؤثر بها البنية البيولوجية والبيئة في عملهما. ومن المسائل التي تناقشها أيضاً، تلك التي تتعلّق بقدرة الأطفال على النمو وتغيير نمط سلوكهم. ويجري تحديد الأطفال المصابين بالتوحّد "بالمعنى العام"، على أساس أنهم أولئك الذين يعانون من إعاقة تتراوح بين الطفيفة والقاسية في مجال التواصل الكلامي.
. أو غيره في المجتمع الذي يعيشون فيه. التوصيف الذي تقدمه تامبل غرادان للمصابين بالتوحّد، هو أنهم "يكررون السلوك نفسه، ولا يهتمون سوى ببعض المواضيع المحددة".
ومن الأفكار الشائعة التي تتكرر فيما يتعلّق بالأسباب المحتملة في ظاهرة التوحّد، تلك القائلة إن غياب "الحنان لدى الأمهات"، ربما يؤدي بالأطفال إلى عدم القدرة على فهم أفكار الآخرين ومشاعرهم. ولكن غراندان ترفض مثل هذه الفكرة، بالاعتماد على تجربتها الخاصّة.
تؤكد المؤلفة أن التقدم التكنولوجي الكبير الذي تحقق في مجال سبر آليات عمل الدماغ، بواسطة "الرنين المغناطيسي" وغيره من تقنيات تصوير الدماغ، لم يفتح سوى "نافذة صغيرة" فيما يتعلّق بطبيعة آليات عمل الدماغ المتوحّد. وتشدد أيضاً على أن الكثير من وظائف الدماغ لا ترتبط بمصدر واحد، بل بشبكات واسعة وغاية في التعقيد.
تشير تامبل غراندان في الإطار نفسه، إلى أن أي خطأ في استخدام التكنولوجيات الحديثة، يمكن أن يترتب عليه جنوح كبير أحياناً في التشخيص وفهم الحالة.
وما تحذّر منه المؤلفة، هو أن عامة الناس والقرّاء العاديين من غير الاختصاصيين، ربما يقعون أحياناً في فخ المعلومات غير الدقيقة، التي يقدّمها لهم الباحثون ويصبحون أسرى لتلك المعلومات المغلوطة أحياناً والجزئية غالباً. ذلك "أنه عندما يكتشف الباحثون ندبة لدى مريض ذي سلوك غير طبيعي، لا يستطيعون افتراض أنهم اكتشفوا مصدر ذلك السلوك"، كما نقرأ.
إن تامبل غرادان تدافع على مدى صفحات هذا الكتاب، عن ضرورة فهم حالات التوحّد، بعيداً عن التعميم المخلّ وضرورة وضع أصحابها في محيط يساعدهم على الإنتاج، والتأقلم كل في ميدانه.
المؤلفة في سطور
تامبل غراندان. باحثة وكاتبة. مصابة بمرض التوحد "اوتيست". وتحظى بشهرة عالمية بين المتوحدين من الفئة "العليا" من المرضى. وهي من مواليد عام 1948. وتعمل أستاذة للعلوم الحيوانية في جامعة ولاية كولورادو الأميركية. قدمّت مؤلفات عديدة، من بينها: قصّة حياتي كمتوحّدة، مترجم مشاعر الحيوانات.
الكتاب: الدماغ المتوحّد
تأليف: تامبل غراندان
الناشر: هوغتون ميفلن هاركورت نيويورك ـ 2013
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
The Autistic brain
Temple Grandin
Houghton Mifflin Harcourt ذ New York ذ 2013
256 pp.
