يعيش العالم حالياً، عصر العولمة بنسختها الليبرالية الجديدة. إذ انتصرت الرأسمالية على المنظومة الاشتراكية، بعد انهيار جدار برلين في بدايات شهر نوفمبر من عام 1989. لكن "نشوة الانتصار" قادت إلى جنوح ومبالغات في سلوك أصحاب القرار الرأسماليين.
هذا ما يشرحه الصحافيان الفرنسيان العاملان في مجلة "لوبوان" الأسبوعية: "صوفي كوانيار ورومان غوبير"، في كتابهما: "الفئة المتوحشة" مع عنوان فرعي أكثر وضوحاً في دلالته على مضمون الكتاب حيث يقول: "عندما تغدو الرأسمالية مجنونة".
إن المؤلفين يصطحبان قارئهما إلى العديد من المؤسسات الاقتصادية الكبرى، للتعرّف على نمط تفكير القائمين عليها وتبيان خلفية المواقف التي يسترشدون بها في عملهم. وهكذا ينقلان عن فيليب لاغاييت، نائب رئيس بنك بيركلي للاستثمار في فرنسا، وأحد أشهر رجال المال حالياً، إجاباته عن أسئلة حول الأوضاع الاقتصادية في فرنسا. وعن سؤال: "كيف ترى الوضع في البلاد؟".
إذ أجاب لاغاييت: "إنه شبيه بذلك الذي يكسب الحد الأدنى من الأجور ويشتري سيارة فاخرة من طراز بورش، باهظة القيمة. وسيكون عليه ذات يوم أن يدفع كلفة السيارة". ولم يتردد نائب رئيس بنك بيركلي أيضاً في القول إن التفاوت بين البشر أمر طبيعي وحتمي، وبالتالي مقبول في فترات الازدهار الاقتصادي.
يحدد المؤلفان القول إن لاغاييت ليس من طلبة مدرسة شيكاغو التي أسسها ميلتون فريدمان، الاقتصادي الأميركي "المفرط في توجهاته الليبرالية الجديدة ـ النيوليبرالية"، ولكنه أحد أصحاب الميول اليسارية، حيث كان قد شغل منصب مدير مكتب جاك دولور، الاشتراكي، عندما كان وزيراً للاقتصاد والمال في فرنسا، بعد انتخاب فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية عام 1981.
يعود المؤلفان في أحد فصول الكتاب، إلى الحديث عن نادي "الشاهد ـ تيموان"، الذي كان يرأسه في عام 1992 فرانسوا هولاند، رئيس الجمهورية الفرنسية الحالي، وكان من أعضائه البارزين، فيليب لاغاييت وباسكال لامي. كان أولئك الاشتراكيون الشباب، يريدون الدفع نحو انتخاب جاك دولور لمنصب رئيس الجمهورية في انتخابات عام 1995.
وكان دولور رئيساً للمفوضية الأوروبية ويمتلك، برأيهم، صفات رجل الدولة، خاصّة أنه كانت له علاقات مع رؤساء دول، من أمثال رونالد ريغان وهلموت كول ومرغريت تاتشر وغيرهم. وكانت غاية أولئك الشباب تحقيق "الثورة الليبرالية" للخروج من القيود الرأسمالية التقليدية، على الطريقة التي رسّخها آباء الفكر الرأسمالي. وبدا أن دولور هو الشخصية المناسبة لذلك من حيث إنه كان بعيداً عن الصراعات الداخلية الفرنسية وقريباً من التيار "الاجتماعي ـ الديمقراطي".
ويخلص المؤلفان إلى التأكيد على أن فرانسوا هولاند أظهر مواقف متشددة أثناء حملته للانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، حيال "مكاسب أرباب العمل والمرتبات الضخمة لرؤساء المؤسسات والشركات".
ويتمثل الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب، وبالتحديد، في "شجب جنوح نموذج رأسمالي يتم توصيفه بالجنون". وتحديد القول منذ البداية، ان أولئك الذين يمارسون مثل ذلك الجنون ليسوا من معسكر اليمين السياسي بالضرورة.
المؤلفان في سطور
صوفي كوانيار. أحد كبار صحافيي التحقيقات في مجلة "لوبوان" الفرنسية الأسبوعية. سبق لها وقدّمت كتاباً تحت عنوان "الدولة داخل الدولة، الميثاق غير الأخلاقي".
ورومان غوبير. أحد رؤساء التحرير في المجلة نفسها. وكان المؤلفان قد حررا معاً، كتاباً مشتركاً تحت عنوان "المتسلقون من غير أصحاب الكفاءة حول السلطة"، والذي احتل لأسابيع عدة مكاناً في قائمة الكتب الأكثر انتشاراً في فرنسا.
الكتاب: الفئة المتوحّشة.. عندما تغدو الرأسمالية مجنونة
تأليف: صوفي كوانيار ورومان غوبير
الناشر: البان ميشيل- باريس- 2014
الصفحات: 327 صفحة
القطع: المتوسط
La caste cannibale
Sophie Coignard, Romain Gubert
Albin Michel - Paris- 2014
327 pp
