لا شك أن وسائل الإعلام عامّة والتلفزيون بشكل خاص، لعبت دوراً هاماً ومتعاظماً في صناعة القادة السياسيين وفي نتائج الانتخابات على مختلف المستويات. وهذا صحيح في مختلف البلدان الغربية عموماً، ولكنه صحيح أكثر في فرنسا، في ظل الجمهورية الخامسة. وهو ما يشرحه الأستاذ الجامعي والمؤرّخ لوسائل الإعلام كريستيان ديلبورت، في الكتاب الجماعي الذي يشرف عليه، ويحمل عنوان «النقاشات السياسية الكبرى».
ويدرس المؤلف تحديداً دور وسائل الإعلام، وخاصّة التلفزيون في ظل الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958.
وينطلق المؤلف في تحليلاته من واقعة شهيرة حدثت تحت أنظار الملايين من مشاهدي التلفزيون الفرنسي. وكان ذلك في النقاش التلفزيوني الأخير في الحملة الانتخابية على رئاسة الجمهورية، بين فاليري جسكار ديستان وفرانسوا ميتران عام 1974. فيومها قال جسكار ديستان لمنافسه :" سيّد ميتران، إنك لا تملك احتكار القلب ـ العواطف الإنسانية".
وكانت جملة ذات وقع كبير على الناخبين حيث " إذ جرى نقشها في اللاوعي الجماعي للفرنسيين"، كما يكتب المؤلف. بل وأصبحت النقاشات التلفزيونية الكبرى بعدها، نوعاً من التقليد الذي أسس لمرحلة جديدة من الدور "الانتخابي" للتلفزيون.
ذلك الحوار "التاريخي" الذي يصفه المؤلف بـ"الحاسم" يكتسب أهميته في كونه جرى تحت أنظار المشاهدين، وكان له أثره الكبير في نتائج تلك الانتخابات. ويلفت المؤلف الى أنه لكل "مواجهة تلفزيونية كبرى" سماتها الخاصّة، باعتبارها "مباراة استعراضية مهمة".. ولها دائماً أيضاً، "مخاطرها" بالنسبة للمرشّحين. وكل مرشّح يتبنّى فيها تكتيكاً دفاعياً أو هجومياً.
إن مؤلف الكتاب يؤرخ، عبر "قراءته" للنقاشات السياسية التلفزيونية الكبرى، للجمهورية الفرنسية الخامسة، خلال الخمسين سنة الأخيرة. وهكذا يستعيد القارئ الكثير من اللحظات التي عرفها المشهد السياسي الفرنسي، من جورج مارشيه الذي كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الفرنسي خلال سنوات عديدة، وحتى جان ماري لوبن، مؤسس حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرّف.. ومروراً ببيير مندس فرانس وفرانسوا ميتران ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، وغير ذلك من الشخصيات الفرنسية المعروفة.
هؤلاء جميعهم، كما يشير المؤلف، كان لهم خطابهم السياسي وطريقتهم في التوجّه الى الرأي العام. وكانت لهم كلماتهم "العظيمة" أحياناً و"البائسة" أحياناً أخرى. والتأكيد بالتوازي مع ذلك، أن هناك عدداً من المواضيع والمسائل المطروحة التي كانت قد ألهبت مشاعر الفرنسيين، وحرّكت الرأي العام الفرنسي، وليس أقلّها أحداث شهر مايو عام 1968 المعروفة بـ "ثورة الطلبة"، و"معاهدة مستريشت " حول الاتحاد الأوروبي، و"ملف الطاقة النووية" و"الهجرة"...
يرى كريستيان ديلبورت، أن "استذكار" تلك النقاشات السياسية الكبرى، التي عرفتها الشاشة الصغيرة، يمثّل نوعاً من "استعادة الإحساس بقوّة كلام، قيل في ما يشبه الأعمال المسرحية ".
لكن المؤلف يؤكّد أيضاً، أن الفرنسيين يبدون شغفهم بالنقاشات التلفزيونية الكبرى، ولكن النسبة الغالبة بينهم يختارون "أبطالهم" قبل تلك النقاشات. وهم، "ينتظرون في أكثر الأحيان، منها، أن تؤكد صحّة الخيار الذي قاموا به. ذلك باستثناء نسبة ليست كبيرة من الذين لم يكونوا قد حسموا خيارهم".
الكتاب: النقاشات السياسية الكبرى لقاءات تلفزيونية صنعت الرأي العام
تأليف: : كريستيان ديلبورت وآخرون
الناشر: فلاماريون- باريس- 2012
الصفحات: 445 صفحة
القطع: المتوسط
Les grands debats politique
Christian Delporte etة
Flammarion - Paris- 2012
445 pp
