بعد أن قدّم المؤرّخ الفرنسي المتخصص في الدلالات الرمزية للألوان، والأستاذ في مدرسة التطبيقات للدراسات العليا في باريس، ميشيل باستورو، تاريخ اللونين: الأزرق والأسود، يكرّس كتابه الجديد للون الأخضر، تحت عنوان "الأخضر.. تاريخ لون". هل تحب اللون الأخضر؟

سؤال واضح يحدد مؤلف الكتاب في الإجابة عليه، أن هناك شخصاً من أصل كل ستة أشخاص في أوروبا يجيب بـ"نعم"، وأن اللون الأخضر هو "لونه المفضّل". لكن بالمقابل، كما يبين هناك النسبة نفسها تقريباً، بالنسبة لأولئك الذين يعلنون من رجال ونساء، عن "نفورهم"من هذا اللون، الأخضر.

ويعلن المؤلف أنه يحب كثيراً اللون الأخضر، مشيراً الى أنه يتقاسم ذلك مع شخصيات تاريخية أوروبية كبيرة، ليس أقلّها شأناً نيرون ونابليون بونابارت. مع تدقيق القول إن نيرون كان الوحيد من بين الشخصيات القديمة الذي أعلن تفضيله الصريح للون الأخضر. وهكذا دعم في زمنه الفريق الأخضر بمجال سباق العربات؛ وحرص على أن يقتني مجموعة من أحجار "الزمرّد الأخضر".

أمّا بالنسبة لنابليون فيرى أن تفضيله للون الأخضر كلّفه غالياً. ذلك أنه حرص عندما وصل إلى منفاه في جزيرة القديسة هيلانه ـ سانت هيلين ـ على أن يعيد طلاء جدران المنزل المخصص لإقامته باللون الأخضر. لكن كانت التقنية المستخدمة في "تثبيت" ذلك اللون هي إضافة مادة الزرنيخ للمزيج اللوني. ويعتقد المؤلف أن تلك المادة كانت سبباً رئيساً في وفاة نابيون.

ومن الأحداث التاريخية التي يؤكّد عليها المؤلف، أنه في تاريخ 12 يوليو من عام 1789، عام قيام الثورة الفرنسية الكبرى، كاد الثوار أن يتبنوّا اللون الأخضر كلون لها، لولا أنهم علموا أن الأخضر كان هو لون "الحلّة الرسمية" لشارل العاشر، المعروف عنه أنه الأكثر رجعية في تاريخ فرنسا. لذلك جرى التخلّي عن اللون الأخضر، وتبنّي لون العلم الثلاثي:"الأزرق والأبيض والأحمر" .

يُكرّس المؤلف العديد من صفحات الكتاب، حول تعامل اللغات مع الألوان. وهكذا نعرف أنه في اللغة اليونانية القديمة، كانت كلمات عديدة تدل على لون واحد.. وأحياناً كانت كلمة واحدة تدل على عدّة ألوان. فاليونانيون القدماء دلّوا على الأسود والأبيض والأحمر فقط بكلمات واضحة، بينما كان الأزرق غير موجود تقريباً في لغتهم والأخضر نادراً. ذلك لدرجة أن فقهاء اللغة والأطباء العصبيين اعتقدوا، في القرن التاسع عشر، أن اليونانيين القدماء لم يكونوا يرون الأزرق، وبالكاد ميّزوا الأخضر من الألوان الأخرى.

وفي المقابل، دلّت اللغة اللاتينية، منذ الأصل، إلى اللون الأخضر بكلمة واضحة ومحددة هي "فيريديس ــ Viridis"، التي تشعّبت عنها أو انحدرت منها كلمات عديدة تنتمي كلّها إلى "عائلة" الكلمات التي تدل على "الحياة". ويشرح المؤلف في هذا السياق أن كثافة حضور الكلمات في لغة ما أو غيابها، يشكلان مؤشراً على الدور الذي تلعبه في الحياة الاجتماعية أو السياسية أو العقائدية.

ويبين المؤلف انه عرف اللون الأخضر فترة من "الازدهار" في أوروبا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حيث اعتُبر كلون للشباب وللعواطف الشابة والجمال، الأمر الذي وجد انعكاسه في الشعر والأعمال الروائية. وبالتوازي أصبح اللون الأزرق هو لون سترات ملوك فرنسا، وكان ذلك "على حساب اللون الأخضر".

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عن مهنة صانعي الألوان خلال القرون الوسطى.

المؤلف في سطور

ميشيل باستورو، مؤرّخ فرنسي متخصص في تاريخ الألوان والصور بشكل عام، يعمل مديراً للدراسات في مدرسة التطبيقات للدراسات العليا في باريس، حيث يشغل كرسي أستاذ التاريخ الرمزي الغربي، قدّم العديد من الكتب التي عرف قسم كبير منها الترجمة إلى عدّة لغات أجنبية، من مؤلفاته: تاريخ الأقمشة المخططة.

 الكتاب: الأخضر .. تاريخ لون

تأليف: ميشيل باستورو

الناشر: سويل- باريس- 2013

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Les pays baltes

Antoine Jacob

Ligne de Repèresذ Paris- 2009

210 pp.