تربية الحيوانات الأهلية المنزلية، هي من الظواهر السائدة في البلدان الغربية المتقدمة. وهذه الظاهرة لها تاريخها وترتبط مع تطور المسار الحضاري الغربي. هذا ما يشرحه الأستاذ الجامعي الفرنسي "داميان بالدان" في كتابه الأوّل الذي يحمل عنوان "تاريخ الحيوانات المنزلية في القرنين التاسع عشر والعشرين"؛ وهذا هو موضوع أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه.
يحدد المؤلف القول إن حالة "التآلف" بالصورة القائمة اليوم بين البشر وحيواناتهم المنزلية في أوروبا بدأت في القرن التاسع عشر. هذه الحيوانات على اختلافها من كلاب وقطط وأحصنة وأبقار وغيرها غدت تشكّل آنذاك مشهداً مألوفاً في المدن، ولدرجة أكثر أحياناً مما هو موجود في الأرياف.ما يؤكده المؤلف أن الحيوانات المنزلية أصبحت تلقى أيضاً عناية فائقة من قبل أصحابها بحيث لا يتردد هؤلاء من اللجوء إلى الطبيب البيطري من أجل تخفيف آلام حيواناتهم.
والإشارة في هذا السياق أن الطب البيطري غدا من الاختصاصات التي يسعى الكثير من الشباب لممارستها. وليس العناية بالحيوانات المنزلية فقط، لكن غدا سوء معاملتها بمثابة سلوك مرفوض اجتماعياً، كما يترتب عليه العقاب فهناك "قوانين تحمي الحيوانات".
ليست قليلة أيضاً جمعيات "الرفق بالحيوان" التي تكاثرت في إطار حركة واسعة انخرط بها عدد كبير من الشخصيات المعروفة المثال على ذلك تقدمه الممثلة السينمائية الفرنسية الشهيرة بريجيت باردو التي جعلت من الدفاع عن الحيوانات "قضيّة حياتها".
الواقع الذي يتم التأكيد عليه هو أن الحيوانات المنزلية غدت موجودة بكثافة في المحيط المنزلي والأهلي في المدن الغربية عامّة. لكن النظرة إليها تتباين إلى حد كبير تبعاً لأشكال استخدام هذه الحيوانات. ذلك أن هناك حيوانات تعمل كعناصر "مرافقة" كي تكون عوناً للإنسان في تحرّكه والقيام بمهمات من بينها الحماية. وحيوانات بقصد "التربية" وأخرى للاستفادة منها في الغذاء وغيرها للحروب.. الخ.
تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب يولي الأولوية إلى "الصيغ الاجتماعية والثقافية للممارسات وللخطاب الذي يلجأ لها البشر من أجل التعامل الأليف مع الحيوانات". هذا على خلفية إرث "التقارب الفعلي، الجغرافي، بين البشر والحيوانات في المجتمعات الغربية منذ القرن التاسع عشر".
ذلك التقارب ولّد العديد من المشكلات الخاصّة بالصحة العامة، من هنا برزت ظاهرة تنظيف الشوارع بحيث اختفى من المدن مشهد "الكلاب الضالّة" والحيوانات المكرّسة للذبح من قبل متاجر بيع اللحوم. ولم يكن ذلك الهدف بعيداً عن ظهور "المسالخ" في مناطق خارج المدن.
ترافق ذلك مع تراجع ظاهرة تربية بعض أنواع الحيوانات مثل الأرانب والدجاج وسط مدينة مثل باريس، على عكس ما كانت عليه الأمور في القرن التاسع عشر. في ذلك القرن كان من الشائع ، وإلى درجة ما من المألوف، رؤية كلاب ضالّة أو ربما كلاب ميتة في الشوارع. بالوقت نفسه كان حضور الأحصنة كثيفاً على أساس دورها آنذاك في القيام بمهمة النقل.
وكان من الشائع بيع الحيوانات من طيور وغيرها حيّة في الأسواق بسبب استحالة حفظها قبل اختراع أجهزة التبريد، والإشارة إلى أن وجود تلك الحيوانات الحية كان مصدر إزعاج حقيقي للسكان بسبب الضوضاء، التي تسببها من جهة وبسبب ما يترتب على وجودها من روائح. ذلك ناهيك عن أن بعضها كانت مصدر خطورة أحياناً على البشر.
المؤلف في سطور
يعمل داميان بالدان أستاذاً في كليّة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، وهو أحد المستشارين لدى اللجنة المكلّفة بإحياء الذكرى المئوية الأولى لنشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914. تهتم أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه بظاهرة تربية الحيوانات المنزلية في فرنسا منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى الحقبة الراهنة.
الكتاب: تاريخ الحيوانات المنزلية في القرنين التاسع عشر والعشرين
تأليف: داميان بالدان
الناشر: سويل- باريس 2014
الصفحات: 377 صفحة
القطع: القطع المتوسط
Histoire des animaux domestiques
Damien Baldin
Seuilذ Paris ذ 2014
377 pp.
