تردد كثيراً، الحديث عن ما سُمي بـ "الحلم الأميركي"، ولكن الباحث والصحافي البريطاني دافيد غودهارت، يُكرّس كتابه الأخير لما أسماه "الحلم البريطاني". وهو يتعرّض فيه لـ"أشكال نجاح وفشل الهجرة بعد الحرب، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب، ويقصد بذلك، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
الفكرة الأساسية التي يركز المؤلف تحليلاته حولها، مفادها أنه توجد في بريطانيا اليوم، أعداد كبيرة "أكبر من ما ينبغي" من الأجانب. وهؤلاء المهاجرون لا يمتلكون أية رغبة في الاندماج والتمثّل في النسيج الاجتماعي البريطاني. بتعبير آخر، انهم لا يريدون أن يصبحوا "مواطنين بريطانيين"."هؤلاء المهاجرون يُشكّلون عبئاً على الأموال العامة البريطانية"، هذا ما يراه المؤلف. ولا يتردد في القول انه إذا فُتحت أبواب الهجرة، من دون أيّة قواعد تضبط ذلك، فإن القادمين من بلدان جنوب آسيا ربما يتخذون "مواقف مختلفة في ما يتعلّق بمجالات القواعد الصحيّة والنظافة".
وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة، هو أنه ليس أبداً ضد الهجرة.. ويشير، كنوع من محاولة إثبات ذلك، إلى أنه ينتمي إيديولوجياً إلى تيار "اليسار الليبرالي"، البعيد حكماً عن أطروحات اليمين المحافظ المناهض للهجرة. ولكن هذا لا يمنع واقع أن قراءة تحليلاته تولّد الإحساس، أنه قريب من تلك الأطروحات.
ويطالب بصورة واضحة، إلى هذه الدرجة أو تلك، بضرورة تعزيز "الهوية الوطنية "البريطانية. وهو يدعو بوضوح أيضاً في هذا الكتاب عن "الحلم البريطاني"، إلى عدم الذهاب أكثر في "التنوع العرقي والثقافي". ويُقدّم في هذا الإطار، الحجج الداعمة لدعوته إلى "قدر أقل من المهاجرين وقدر أكبر من تعميق المشاعر القومية ــ الإنجليزية".
الواقع الذي يشدد عليه غودهارت هو أن موجات كبيرة من المهاجرين، حملت أعداداً كبيرة من الأجانب إلى بريطانيا. وبالتالي لم يعد من السهل الحديث عن التاريخ البريطاني، على أنه يخص حصراً أولئك الذين شاعت تسميتهم بـ "قبائل المحاربين الانكلو سكسون" ومعهم تاريخ "الرومان وورثتهم". ويرى غودهارت أن الأمة البريطانية "الحديثة" أصبحت تضم مكوّناً رئيساً تمثلّه مجموعات من الأقليات التي عانت من الاضطهاد في بلدانها. ولا يتردد في إضافة القول إنها، أي بريطانيا، وجدت بهذا المكوّن أحد مصادر ثرائها وبدونه "كانت أكثر فقراً"؛ هذا على الرغم من تحفظه الكبير حيال الهجرة بالطريقة التي جرت بها على مدى عقود.
وإذا كان المؤلف يؤكّد أيضاً على أن المهاجرين يشكّلون عنصراً هاماً في دعم النشاط الاقتصادي وتنشيط البنية الاجتماعية، فإنه يوضح بالمقابل وجود مستويات مختلفة من القدرة على "الاندماج" في المجتمع الجديد.
هكذا يشير مثلاً أن "الصوماليين يجدون تقليدياً صعوبة أكبر في الاندماج من الأستراليين". إن المهاجرين إلى بريطانيا، حالياً، كما يقول المؤلف، وإلى غيرها من بلدان استقبال المهاجرين، يجدون في شبكات "الإنترنت" ووسائل التواصل الجديدة الأخرى، سبيل إمكانية توطيد الصلات مع الأهل والأوطان بـ "كلفة قليلة جداً". ثم إن المحطات التلفزيونية الفضائية التي تتكاثر كالفطور تنقلهم لـ"عيش أحداث بلدانهم لحظة حدوثها".
والنتيجة هي أن المهاجرين المعنيين يرون أنفسهم في موقع يجعلهم أقل تطلعاً كي يصبحوا "بريطانيين" في الحالة البريطانية، والاكتفاء بما يقدمه وجودهم "الرسمي" في بلد أجنبي، من مكاسب لهم. والنظرية الأساسية التي يدافع عنها المؤلف، بالنسبة لبريطانيا، هي أنها عرفت تبدّلاً نوعياً في طبيعتها، باكتسابها صفة "التعددية العرقية".
المؤلف في سطور
دافيد غودهارت، صحافي بريطاني ومعلّق في العديد من البرامج التلفزيونية، مؤسس ورئيس تحرير مجلّة "برسبيكت". كان مراسلًا لـ"الفايننشال تايمز"، في ألمانيا لمدّة 12 سنة. يعمل الآن مديراً لمركز للأبحاث "ديموس".
الكتاب: الحلم البريطاني
تأليف: دافيد غودهارت
الناشر: اتلانتيك بوك - لندن 2013
الصفحات: 381 صفحة
القطع: المتوسط
The British Dream
David Goodhart
Atlantic books ذ London ذ 2013
381 pp.
