هذا الكتاب "12 سنة من تلفزيون" الواقع للباحثة في مجال دور وسائل الإعلام في المجتمعات الحديثة "ناتالي نادو ـ البيرتيني"، هو نتاج أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع تحت عنوان "حول التجديد التلفزيوني .مضمون برامج تلفزيون الواقع ودلالات استقباله من قبل المشاهدين". "تلفزيون الواقع" ،هذه هي التسمية التي تم إطلاقها على نوع من البرامج التلفزيونية التي تخص مجموعة من البشر الذين يتم جمعهم في إطار محدد ما وعزلهم إلى حد كبير عن المجتمع العادي.

وتتأسس البرامج على مبدأ تسجيل انفعالات البشر المعنيين كما تأتي بصورة عفوية ودون تحضير أو نصوص مكتوبة . المشاهدون يتعاطفون مع هذا المرشح أو ذاك ويراقبون عبر الشاشة الصغيرة انفعالاتهم وأشكال سلوكهم حيال المواقف المختلفة التي يتعرّضون لها . في عام 2001 شاهد الجمهور الفرنسي أحد تلك البرامج تحت عنوان "لوفت ستوري" الشهير. قابله الفرنسيون عامّة في البداية بكثير من النفور، بل والغضب.

لكن ذلك لم يمنع واقع أن ذلك البرنامج وأمثاله مثل "ستار اكاديمي" وغيره بقيت تعرض لسنوات وكانت من بين الأكثر مشاهدة من قبل جمهور التلفزيون. تلك هي الملاحظة التي تنطلق منها ناتالي نادو ـ البيرتيني لتطرح مباشرة عددا من الأسئلة مثل: كيف أصبحت مثل تلك البرامج مألوفة رغم ما أثارته من الحديث عن "تفاهتها"؟. وكيف بذل البعض جهدا كبيرا للحديث عن "أخلاقية" نوع من البرامج مثير للجدل وللقلق؟. وكيف أمكن بناء "جسور من الثقة" بين مشاهدي التلفزيون وبين برامج تثير الكثير من الحذر؟. وكيف تمكن المصالحة بين خشية المشاهدة والمتعة والتسلية؟. هذه الأسئلة هي ما تحاول المؤلفة الإجابة عليها في الكتاب.

من الملاحظ أن المؤلفة تحرص في مختلف تحليلاتها على عدم السقوط في دائرة ما تسميه " أشكال النقد السائدة" حيال تلفزيون الواقع، وبالوقت نفسه عدم "كيل المديح" له. المنهج الذي اختارته هو اللجوء إلى نوع من "التحليل الاجتماعي العملي" يعتمد على وصف التداخل بين المنتجين والناقدين للعمل والمشاهدين والذي أدّى، أي التداخل ،إلى نوع من "تكييف البرامج المعنية" مع مضمون النقد بحيث أصبحت "مقبولة أخلاقيا".

تشرح المؤلفة أن نقطة الانطلاق في اهتمامها بالبحث حول "تلفزيون الواقع" كانت إرادة معرفة كيف نجح برنامج "لوفت ستوري" في كسب قبول الجمهور بعد موجة الحذر الذي أثارها لدى المشاهدين في فرنسا عند بداية عرضه عام 2001 . وتحدد القول أن موجة النقد جاءت خاصّة من قبل "الصحافة الجديّة" و"المثقفين" . والإشارة أن النقد كان عنيفا و" مغاليا أحيانا مثل تلك المقالات التي شبّهت تلفزيون الواقع بمعسكرات الاعتقال النازية".

وترى المؤلفة أن موجة النقد كان لها تأثيرها على المشاهدين وحتى لو كانت أعدادهم كبيرة .ذلك التأثير بدا عبر الإحساس بـ "عدم الراحة " عند مشاهدة حلقات البرامج المعنية بسبب "ما قيل من آراء ناقدة"، كما يتم تحديد القول. من هنا بالتحديد أيضا أراد المسؤولون عن الإنتاج "طمأنة المشاهدين".

وظهرت برامج جديدة ذات توجّه "تعليمي" مثل "من سيكون صانع الحلوى الكبير القادم" و" توب شيف" وغيرهما من تلك البرامج التي تركز على "القدرة الإبداعية لدى المرشحين". كما ترى ناتالي نادو ـ البيرتيني أنه اعتبارا من عام 2004 قام المنتجون بتبنّي "إستراتيجية" تستجيب بموجبها برامج تلفزيون الواقع متماشية إلى هذه الدرجة أو تلك للنقد الموجّه لها. هكذا مثلا جرت محاولات علاج اتهام "المشاهدين" أنهم "ساديّون" يجدون متعة في رؤية "المرشحين" يعانون من مختلف أشكال العذاب.

وكذلك العمل على أن لا يبدو "سيناريو" نجاح أو فشل المرشحين مبرمجا بشكل مسبق وأن هناك "تلاعبا" مبرمجا هو الآخر. ما تؤكّده المؤلفة هو أن "تطلعات تلفزيون الواقع" في عام 2013 تختلف إلى حد كبير عن "تطلعاته" عام 2001، هذا يبدو بوضوح من كون أن القنوات التلفزيونية التابعة للقطاع العام في فرنسا تقدّم برامج تنتمي إلى صنف "تلفزيون الواقع". هذا بعد الاستجابة لمطلب أساسي هو التركيز على اكتشاف المواهب الجديدة . الأمر الذي يذهب باتجاه آخر بعيد عن "المخاوف التي كان قد أثارها تلفزيون الواقع في بداية عرض برامجه التي كان يتم النظر لها أنها غير مقبولة أخلاقياً".

والإشارة في هذا السياق أن مؤسسة الرقابة على الإنتاج السمعي ـ البصري الفرنسية أرغمت شركات انتاج برامج "تلفزيون الواقع" على تبنّي "مواثيق تلتزم بموجبها بسلوكيات تحترم الأهداف المقررة والمقبولة من الجميع". والقبول بفرض رقابة صارمة على التطبيق الحازم للقواعد السارية المفعول.

الملفت للانتباه هو أن ناتالي نادوـ البيرتيني لا تعتمد في تحليلاتها على المقالات والدراسات المنشورة في الصحف والدوريات وعلى الكتب وتحليل برامج تلفزيون الواقع فحسب، ولكنها تولي اهتمامها أيضا لـ"تعليقات" مستخدمي شبكات الانترنت على تلك البرامج.

يتم في هذا الإطار التركيز على التعليقات التي أُثيرت حول وفاة أحد المتسابقين المرشحين للفوز في أحد برامج "نلفزيون الواقع" هو برنامج " كوه لانتا" الذي عرضه التلفزيون الفرنسي، وجرى توقيف بثّه بعد موت المتسابق. تلك الوفاة بدت نوعا من تحقق مقولة كانت قد ترددت عند عرض برنامج "لوفت ستوري" عام 2001، ومفادها " سوف نشاهد مناظر الموت مباشرة على الشاشة".

وتحاول من موقع الباحث الاجتماعي حول دور وسائل الإعلام فهم السياق الذي كُتبن فيه التعليقات والخلفيات الكامنة وراء ها والأهداف منها. والخروج من

 

 

المؤلفة في سطور

»ناتالي نادو ـ البيرتيني باحثة اجتماعية عن دور وسائل الإعلام في العصر الحديث، تعمل في إطار "مركز دراسات الحركات الاجتماعية " التابع لمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس. حصلت على شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول "تلفزيون الواقع".

 

 

الكتاب: 12 سنة من تلفزيون الواقع

ما هو أبعد من أشكال النقد الأخلاقية.

تأليف: ناتالي نادو ـ البيرتيني

الناشر: اينا- باريس- 2013

الصفحات: 290 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

12 ans de télérealité

Nathalie Nadaud- Albertini

INA- Paris- 2013

290 pp.