تشهد رفوف المكتبات الغربية عامّة، والأوروبية خاصة، سلسلة من الكتب موضوعها الحرب العالمية الأولى، بمناسبة 100 عام على نشوبها في عام 1914. ومن بين هذه الكتب، العمل الذي قدّمه الصحافي والمؤرخ البريطاني ماكس هاستينغ، تحت عنوان: "كارثة 1914"، إذ قررت القارّة القديمة، أوروبا، أن تذهب إلى الحرب، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

يُكرّس المؤلف الكثير من تحليلات هذا العمل، للدور الذي لعبه أولئك الذين يطلق عليهم صفة "الأسود"، وكانوا وراء نشوب الحرب وسعوا إليها، والذين دفعوا الملايين كـ"الخراف" إلى أتون تلك الحرب، حيث كان ينتظرهم الموت أو اكتساب العاهات التي رافقتهم حتى نهاية حياتهم.

وفي الصفحات الأولى من الكتاب، يشرح المؤلف الكثير من الأحداث التي عرفتها القارّة الأوروبية، خلال الأشهر التي سبقت نشوب الحرب العالمية الأولى. ذلك وصولاً إلى اغتيال الدوق النمساوي ـ الهنغاري فرانسوا فردناند وزوجته صوفي، في سراييفو، يوم 28 يونيو من عام 1914. وعلى إثر ذلك، وجّهت النمسا مدعومة من حليفتها ألمانيا، إنذاراً أخيراً لصربيا دفع روسيا لدعم حليفتها السلافية الصغيرة. وكانت فرنسا حليفة لروسيا، وانضمت إليهما بريطانيا بعد الهجوم الألماني على بلجيكا.

لا يتردد المؤلف في تحميل مسؤولية نشوب تلك الحرب، من دون أيّة مواربة، لألمانيا بالدرجة الأولى. ويحاول البحث في الأسباب العميقة التي أدّت إلى نشوب الحرب، بعيداً عن فكرة أن اغتيال فردناند وزوجته، مهما كانت مكانتهما، يمكن أن تؤدي إلى نشوب حرب قاتلة، ذهب ضحيتها حوالي 15 مليون إنسان.

ما يؤكّده المؤلف، أنه كان باستطاعة ألمانيا أن تحصل على كل ما كانت قد رسمت أنها تريد الوصول إليه عبر الحرب، من خلال الوسائل السلمية. ويشرح أنه كان يكفيها من أجل ذلك أن تتابع مسيرة تقدّمها الصناعي، بلا إغراق أوروبا في حمّام رهيب من الدماء.

ويتوصل المؤلف، من خلال عرض تلك الأحداث والوقائع، إلى نتيجة مفادها أن القادة الأوروبيين آنذاك، انقسموا بين تيارين. تيار يؤيّد الحرب وكان متعطّشاً لها، وعلى رأسه خاصّة، قادة ألمانيا وقادة الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية، الذين كانت لهم مراميهم ومشاريعهم التوسعية، وتبدو ألمانيا في مجمل تحليلات الكتاب بموقع "المتهم" الذي يجري "تصفية الحسابات معه".

لكن بالمقابل لا يتردد المؤلف في تحميل القيادة العسكرية، البريطانية مسؤولية الأخطاء الكبيرة التي اقترفتها خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الثانية.

وانطلاقاً من توجيه الكثير من أشكال النقد ومن التوصيفات السلبية، إلى هذه الدرجة أو تلك، للقادة العسكريين البريطانيين الذين قادوا جيوش التاج البريطاني، يُبدي هاستينغ الكثير من التحفظات بل والشكوك، حيال الصورة البطولية التي يرسمها مواطنوه البريطانيون للدور الذي لعبته بريطانيا في الحرب العالمية الأولى؛ الحرب الكبرى. ويرى أنهم يضخّمون من ذلك الدور، من دون سند كبير في الواقع.

ويكاد يصل إلى حد القول إن مواقف بريطانيا لم تكن تتمتّع بقدر كبير من الشفافية، حيال حلفائها أثناء الحرب العالمية الأولى.

ويبين أن هناك تياراً آخر كان له موقف مختلف حيال الحرب. ومثّل ذلك التيار بعض القادة الأوروبيين، الذين كانوا يبدون تخوّفهم وقلقهم من نشوب الحرب، مع إدراكهم أنه "لا يمكن تجنّبها"، وكان على رأس ذلك التيار، كل من روسيا وفرنسا، وإلى حدّ ما بريطانيا العظمى.

مؤلف الكتاب، يعتمد الحجج نفسها، التي كان قد قال بها عدد من المؤرخين في مطلع سنوات الستينيات من القرن الماضي، والتي مفادها أن القادة الألمان كانوا قد حضّروا بـ"كثير من التصميم" للقيام بالحرب عام 1914. ذلك "قبل أن تستطيع روسيا تحديث جيوشها".

ويصل المؤلف بأشكال مختلفة، إلى نتيجة واحدة، وهي أن الألمان استغلوا الأحداث التي سبقت العمليات العسكرية من أجل الشروع بالحرب، وعمدوا في الوقت ذاته إلى "تعبئة حلفائهم في الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية". ومع بداية تلك الحرب، جرى الشروع في كتابة تاريخ جديد للقرن العشرين وللعالم.

 المؤلف في سطور

 قدّم ماكس هاستينغ، ما يزيد على عشرين كتاباً، خصّ الحروب بعدد كبير منها، وعمل في البداية في حقل الصحافة. وغطّى خلال ذلك، الكثير من الحروب التي شهدها العالم، كما تولّى خلال سنوات 1986 ــ 2002، منصب رئيس تحرير الـ"ديلي تلغراف" اللندنية. وحصل على العديد من الجوائز. من مؤلفاته: الحرب في كوريا.

 الكتاب: كارثة 1914.. أوروبا تذهب للحرب

تأليف: ماكس هاستينغ

الناشر: كنوبف- لندن 2013

الصفحات: 672 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Catastrophe 1914

Max Hasting

Knopfذ London ذ 2013

672 pp.