تتمتع منطقة آسيا الوسطى، بموقع استراتيجي مهم، وتمتلك ثروات كبيرة ليس أقلّها موارد الطاقة. لكن لا يزال العديد من بلدانها موضع جهل كبير من قبل العالم الخارجي. وعلى رأس تلك البلدان قرغيزستان، التي يخصّها الباحث الفرنسي في المعهد الفرنسي للدراسات حول آسيا الوسطى، بوريس بيتريك، بكتاب يحمل عنوان "لقد أكلوا خرافنا: قرغيزستان.. من الراعي إلى رجل الأعمال".

الصورة التي تقفز مباشرة إلى الأذهان عن قرغيزستان، تبعاً للملامح النمطية التقليدية السائدة لبلدان آسيا الوسطى، هي أنها بلاد صغيرة يشكل الرعاة الغالبية العظمى من سكانها. ويجري تقديمها عادة، على أنها "سويسرا آسيا الوسطى"، وأنها تقترب كثيراً من البلدان الأوروبية الغربية، بعد أن عرفت ما سُمي بـ"ثورة الزنبق". لكن المؤلف يرسم صورة أخرى لا تتماشى مع هذه "الكليشيهات". وما يؤكّده في المقابل، أنها بلاد في قلب مسار تطور العولمة.

يشرح المؤلف، على مدى الكثير من الصفحات، كيف أن القرغيزيين فعلوا كل ما تتطلّب منهم "الواجهة الديمقراطية"، من أجل الحصول على المساعدات الخارجية. وهكذا تعاقبت العمليات الانتخابية على مختلف المستويات، ونمت المنظمات غير الحكومية كالفطر وبرزت مؤسسات وهيئات المجتمع المدني، كما ترغب وكالات تشجيع التنمية. إلا أن ذلك كلّه لم يكن يعبّر واقعياً عن آلية عمل المجتمع والدولة، ولكن بالأحرى، عن تلبية المعايير التي تسمح بوضع قرغيزستان في خانة "البلدان الديمقراطية"، حسب التصنيفات العالمية السائدة.

ويبين المؤلف أن قرغيزستان حصلت على "استقلالها" عام 1990. ولكنه كان استقلالاً مفروضاً أكثر مما كان استقلالاً جرى السعي للحصول عليه، كما يشرح المؤلف. وذلك أن البلاد فقدت على إثره بوصلة توجهها". إذ جرى تفكيك المصانع وخصخصة المؤسسات التعاونية المختلفة التي كانت سائدة في العهد السوفييتي، بعد أن كانت تؤمّن عيش الكثيرين، إلى حدّ ما.

ويدرس المؤلف آليات التحوّل الاقتصادي والسياسي التي عرفتها قرغيزستان من وضعية "الجمهورية السوفييتية السابقة"، إلى الحالة الراهنة، في فترة ما بعد عام 1991، أي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. وبالتحديد تقهقر الإنتاج الزراعي ممثّلاً بـ"اختفاء الخرفان"، التي كانت بمثابة زهرة الإنتاج القرغيزي ــ ومن هنا يأتي عنوان الكتاب ـ وأثر ذلك التقهقر على المجتمع التقليدي في البلاد.

والسبب الأساسي في ترديّ الإنتاج وتعاظم التبعية للخارج، يحدده بيتريك بعملية إنهاء تربية قطعان الأغنام، التي كانت تشكل المصدر الرئيسي للإنتاج في البلاد. وتأكيده أن المسؤول الأول عن زوال تلك الثروة الوطنية، "الإصلاحات" التي طالبت بها المنظمات الدولية الكبرى.

يشرح المؤلف أن القرغيزيين الذين فقدوا الكثير من مواردهم بسبب الخصخصة، وبسبب "تخلّي موسكو عنهم، جعلوا من الانفتاح على العالم الآخر استراتيجية أساسية، من أجل الحصول على كل أشكال الموارد التي يمكن أن تأتي من الخارج. ويروي المؤلف الكثير من أشكال عدم الفهم التي ترتبت على اللقاء بين السكان المحليين ـ القرغيزيين، وبين القادمين من الخارج للمساهمة في العمليات الإصلاحية.

وفي العموم، فإن مؤلف الكتاب يحاول أن يقدم في أبحاثه ومعطياته، صورة عن قرغيزستان التي يعرفها عن قرب، ويرسمها بعيداً عن "الكليشيهات"، التي قدّمتها كأحد رموز "العالم الحر"، في منطقة يعمّ فيها الاستبداد. وبلاد فتحت أبوابها للعولمة وللأفكار القادمة من الغرب. ويستعرض معاناة وأثماناً دفعتها البلاد، جراء تركزها، من قبل جهات عديدة، كمختبر للعولمة.

 المؤلف في سطور

بوريس بيتريك. باحث في المعهد الفرنسي للدراسات حول آسيا الوسطى. متخصص في قرغيزستان بشكل خاص. من مؤلفاته: تصنيع الديمقراطية.. المنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث والمنظمات الدولية، السلطة والشبكات في أوزبكستان في ما بعد الاتحاد السوفييتي.

 الكتاب: لقد أكلوا خرافنا.. قرغيزستان من الراعي إلى رجل الأعمال

تأليف: برويس بيتريك

الناشر: بيت علوم الإنسان - باريس - 2013

الصفحات: 205 صفحات

القطع: القطع: المتوسط

 

On a mangé nos moutons

Boris Petric

Editions de la Maison des sciences de lصhomme - Paris - 2013

205 pp.