تساءل الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، في إحدى مداخلاته في جامعة السوربون، منذ سنوات عدة، عن المكونات التي يتألف منها المجتمع الفرنسي. وذكر من بينها: المكوّن العربي. وعن هذه الفكرة، صدر، قبل أسابيع، عمل جماعي يحمل عنوان «فرنسا العربية ـ الشرقية»، يتعرّض فيه المساهمون لـ«13 قرناً من الحضور»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.
يشرح المساهمون في الكتاب، أن حضور المكوّن العربي ـ الشرقي لفرنسا العربية ـ الشرقية، يعود إلى القرن السابع الميلادي، أثناء فترة «الفتوحات العربية الإسلامية» التي تجاوزت جبال البيرينيه، ومثّلت الحضور الشرقي الأول. واستمر بعد ذلك، عبر «أحلام الشرق»، التي دغدغت مخيلة قسم مهم من النخب الفرنسية، على مدى القرون الثلاثة عشر، التالية.
لكن يبقى اللقاء الحاسم ين فرنسا والشرق، حسب الباحثين، هو الذي واكب المشروع الاستعماري الفرنسي الذي بدأ في القرن التاسع عشر بعد حملة نابليون على مصر، في نهاية القرن الثامن عشر. فذلك المشروع الاستعماري هزّ مجتمعات الجنوب، ودفع موجات من اليد العاملة ومن الجنود الذين حاربوا في إطار الجيش الفرنسي. وترجم ذلك كله، عبر وجود أعداد كبيرة من المغاربة ومن بلدان الشرقين: الأدنى والأوسط. وكذلك حضور المكوّن العثماني.
وتؤكد أبحاث الكتاب، في السياق ذاته، في تناول موضوع «فرنسا العربية ـ الشرقية»، على أن الوجود التاريخي والمستمر للمعنيين، أسهم في صياغة التاريخ السياسي والثقافي والعسكري والعقائدي والفني والاقتصادي. وذلك منذ حقبة الإمبراطورية الكارولنجية، في ظل حكم شارلمان وحتى الجمهورية الفرنسية الحالية.
مثلت مساهمات العمل، مجموعة من النصوص المختارة التي تعيد إلى الذاكرة الكثير من الذكريات المنسية. وتشير إلى العديد من التناقضات وأشكال سوء الفهم والتفاهم التي عرفها التاريخ الطويل، الممتد من القرن السابع الميلادي وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين.
ومن الأفكار الرئيسية التي يشدد عليها الباحثون، ضمن هذا الكتاب، أن «فرنسا العربية ـ الشرقية»، هي على مفترق طرق التاريخ الفرنسي بمجمله. وتشير الدراسات، في السياق نفسه، أيضاً، إلى واقع الإهمال الكبير لهذا الوجه من التاريخ الفرنسي الذي سطّر المؤرخون عنه، آلاف الأعمال، ذاك منذ الحقب القديمة وحتى الوقت الحالي. إنه «الوجه الآخر» الذي يمثله أولئك الذين قدموا من مستعمرات فرنسا القديمة، خاصّة من بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط.
والخط الناظم لمساهمات الكتاب التي جاءت في عشرة فصول أن هدفها الحقيقي والنهائي، أنها تريد التعريف بـ«فرنسا المجهولة»، إلى حد بعيد، أي فرنسا العربية المشرقية. وتبيّن كل مساهمة دور أحد المكوّنات المعنية في التاريخ الفرنسي. ويبرهن، عبر ذلك، على أن عرباً وغير عرب، من مغاربة ولبنانيين.. وأرمن - بعد عام 1915، وأتراك، وسواهم من سكان حوض المتوسط، أسهموا في «صناعة» التاريخ الفرنسي. ويؤكد المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، كذلك، على خصوصية دور الجزائر في ذلك التاريخ، بسبب واقع التجربة الاستعمارية وتداخلاتها ونتائجها، كما يشرح بالتفصيل في مساهمته بالكتاب.
المساهمون في سطور
باسكال بلانش. مؤرخ فرنسي متخصص في تاريخ الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية. سبق له أن أشرف على إنجاز عمل جماعي، منذ ثلاث سنوات، تحت عنوان «فرنسا السوداء».
المساهمون الآخرون هم: نعيمة ياحي (المتخصصة في التاريخ الثقافي المغاربي)، إيفان غاستو (المتخصص في تاريخ الهجرة وتاريخ الرياضة)، بنجامان ستورا (مؤلف العديد من الكتب عن حرب التحرير الجزائرية)، وآخرون كثر. وفي العموم، يضم الكتاب مساهمات 40 مؤرّخاً وباحثاً اجتماعياً ومتخصصاً.
الكتاب: فرنسا العربية ـ الشرقية 13 قرناً من الحضور
تأليف: باسكال بلانش وآخرون
الناشر: لاديكوفيرت ــ باريس ــ 2013
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
La France arabo- orientale
Pascal blanche etة.
La Decouverte ذ Paris 2013
224 pp.
