يعرف العالم، حاليا، فترة من البحث عن المعلومات في جميع الاتجاهات. ولا شك أن المجموعات المعروفة بالمناصرة للبيئة ـ الخضر، وغيرهم ـ هي تحت الرقابة الشديدة. ذلك ليس من قبل أجهزة الشرطة فحسب، ولكن أيضا وخاصّة، من قبل مجموعات من "وكالات الاستخبارات الخاصّة". هذا ما تشرحه الباحثة والناشطة الهولندية، ايفلين لوبيرس، في كتابها: "مناورات سريّة في الظل". إذ تدرس فيه "عمليات التجسس التي تمارسها أجهزة الشرطة والوكالات الخاصّة على المجموعات النشيطة".. في مجال المطالبة بحماية البيئة أو بمناهضة الحروب.
الوسيلة الرئيسية التي تلجأ إليها وكالات التجسس الخاصّة، حسب المؤلفة، هي "التغلغل" داخل المجموعات، التي تنشط في حقول: البيئة ومكافحة التلوث وأخطار زيادة سخونة الأرض والتغير المناخي. وتذكر المؤلفة عشرات الحالات من هذا القبيل. وهكذا تشير إلى أن "معسكر المناخ" الثاني الذي ينظمه، سنويا، أنصار البيئة الانجليز قرب من مطار"هيثرو" بجوار لندن، شهد في عام 2007، طبقا للمعنيين به، تدفقا كبيرا لـ"المنتسبين".
ومن بين المنخرطين الجدد: "كين" الذي كان قد تخرّج حديثا من جامعة أكسفورد. إذ أبدى حماسا كبيرا وطالب بالذهاب أبعد وبقدر أكثر من العنف في الاحتجاج، وعدم الاكتفاء بعقد الاجتماعات. لكن سرعان ما ثارت حوله التساؤلات، ذلك أن الشرطة علمت، "كأن الأمر صدفة"، بالعمل الاحتجاجي الوحيد الذي كان على علم فيه. وهكذا سبق رجال الشرطة المحتجين إلى مكان التجمّع المقرر.
ومن خلال سلسلة من الأحداث والتحقيقات، تبيّن أن المدعو "كين" لا يحمل اسم "كين" في الواقع، ولكن هو: "توبي كندال". وكان يعمل لحساب وكالة خاصّة لجمع المعلومات. ومثل هذا النموذج يتكرر كثيرا، من أجل مهمات تتراوح بين تحديد أمكنة الاجتماعات الاحتجاجية.. إلى الدفع نحو عمليات "أكثر جسارة" و"أكثر خطورة".
إن مثل هذه الحالات وما تقوم به من مهمات، تصنفها مؤلفة الكتاب تحت خانة "الاستخبار الرمادي". والمجموعات العاملة في إطاره هي نوع من "الشبكات غير الرسمية" التي تتولى غالبا، مهمة "التعاون" بين أصحاب المصالح الخاصّة، من شركات ومجموعات صناعية ومالية وغيرها. وبين بعض الأجهزة الرسمية التي تتولّى مهمات مراقبة نشاطات المجموعات الاحتجاجية في البلدان الغربية عموما.
وتستعرض المؤلفة في كتابها، خمس حالات من عمليات التغلغل للأجهزة الخاصّة أو الرسمية في المجموعات الاحتجاجية. هكذا تروي كيف قامت مجموعة "ماكدونالدز" للوجبات السريعة بالتغلغل في منظمة "غرينبيس" المدافعة عن البيئة في لندن، عام 1985، عندما أطلقت هذه المنظّمة ما أسمته "اليوم العالمي للاحتجاج السنوي" ضد "إمبراطورية ماكدونالدز".
وبعد تحديد القول ان عدد الذين كانوا يحضرون الاجتماعات، عندما "تغلغل" عملاء ماكدونالدز إلى غرينبيس، كان يتراوح ـ عدد الحضور ـ بين خمسة وعشرة أفراد، تكتب ايفلين لوبيرس: "من خلال وجود سبعة جواسيس على الأقل في غرينبيس، كان حضور الجواسيس مهما جدا. ذلك أن عدد العملاء كان في بعض الحالات يعادل عدد النشطاء.
وكان المحققون قد ذكروا أنه في مناسبتين ـ اجتماعين ـ كان هناك من بين الحضور الأربعة، عميل من كل وكالة استخبارات خاصّة". وتضيف: "كان الجواسيس يمارسون التجسس المتبادل في ما بينهم"، كما تخلص المؤلفة إلى القول. وبالنتيجة أيضا، لم تستطع ماكدونالدز أن توقف نشاطات غرينبس. ولم تستطع إيداع نشطائها السجن.
ولعل أخطر ما توصّلت إليه، هو جمع معلومات عن آلية الاحتجاج الموجّهة ضدها. وذلك بالإضافة إلى الحصول على بعض الملفات "الحساسة" التي "سرقها" عملاؤها. الأمر الذي علّق عليه أحد هؤلاء بالقول ان ما حصل لم يكن أبدا عملية سرقة، وانه فتح بالباب بواسطة بطاقة هاتفية. وجاء في إفادته: "لم تكن أقفال مكتب غرينبيس في لندن محكمة جدا".
وعموماً، إنه كتاب عن العالم "الرمادي" لجمع المعلومات، حيث تلعب فيه الوكالات المختصّة بالتجسس دوراً مهماً لحساب أصحاب المصالح الكبرى.
المؤلفة في سطور
ايفلين لوبيرس. جامعية وصحافية وباحثة وناشطة اجتماعية هولندية. أحد مؤسسي مكتب "جانسين" في سنوات الثمانينات من القرن الفائت. وهي باحثة مشاركة مع جامعة "باث" الإنجليزية.
الكتاب: مناورات سريّة في الظل
تأليف: ايفلين لوبيرس
الناشر: بلوتو ـ لندن ـ 2012
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
Secret manoevres in the dark
Eveline Lubbers
Pluto ذ London- 2012
272 pp.
