"التعامل مع الشيطان"، هذا هو عنوان كتاب الأستاذ الجامعي المتخصص في العلاقات الدولية، بيير غروسير . و"الشيطان" المقصود، هو بالتحديد: "العدو" الذي لا بد من التعامل معه. فالتحدث إلى العدو ومحاولة فهم اهتماماته ومقاصده والبحث عن حل الخلافات القائمة معه، أمور يمثل كلّها، جوهر العمل الدبلوماسي، حسب المؤلف.
ومن هنا، يغدو من المفهوم أن يعطي المؤلف لكتابه عنوانا فرعيا، مفاده "الرهانات الحقيقية للدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين". وإذا كانت العلاقات الدولية في صميم تحليلات هذا العمل، فإن "الدبلوماسية" وأسرارها وآليات عملها وتبدياتها في مخيلة المهتمين بها، موضوعه الرئيسي. ويشير المؤلف هنا، إلى أن هذا الاهتمام ليس غريبا عن عمله، لمدة عقد كامل تقريبا، في مجال تكوين وتدريب الدبلوماسيين الفرنسيين، ذلك في إطار نشاطات وزارة الخارجية.
يطرح بيير غروسير في البداية، عدداً من الأسئلة، مثل: ماذا تنفع الدبلوماسية عندما يغدو العدو في موقع "الشيطان"؟ وكيف يمكن تفسير الخطاب البلاغي "السائد" والناجح" منذ عقود، عن معسكري: "الخير" و"الشر" ؟ وهل يمكن النظر، حالياً، إلى العلاقات الدولية خارج سياق مثل هذه الثنائية؟
لا يتردد المؤلف في تحميل مسؤولية القرارات والسياسات الخاطئة، التي تكررت لدى الحكومات الغربية، خاصّة بالنسبة للحالة الفرنسية، إلى عدم إجراء قراءات صحية لأوضاع مستجدة وبشروط وظروف جديدة، ذلك نتيجة الاعتماد على مرجعيات الماضي. ويؤكد في الصدد، أنه في غالبية الأحيان "تلقى نظرة قديمة جداً، على الأزمات الجديدة".
هكذا، وبالتالي، فإنه إذا سادت لدى أصحاب القرار الغربيين في فترة ما بعد الحرب الباردة، فكرة كون هذا النظام أو ذاك، يماثل النظام الهتلري: "ألمانيا النازية"، يغدو من المبرر، بل ومن المطلوب، إطلاق "حرب وقائية ضده" . هذا بدلا من تبنيّ استراتيجية الصد وكبح التوسع والحصار، كما كان سائداً في فترة الحرب الباردة. ويلفت المؤلف إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق ريشارد نيكسون، كان قد عمل على تطبيع العلاقات مع "الخصم الصيني" عام 1972، عند زيارته الشهيرة، آنذاك، إلى بكين.
يشرح بيير غروسير، الصعوبات الكبيرة في إيجاد سبل للبحث عن حلول مع "الخصوم"، وليس الأعداء فقط، ذلك عندما ترسم صورة "شيطانية" لهم. ويعيد إلى الذاكرة ما كان الرئيس الأميركي السابق جورج وولكر بوش، قد كرره حيال أعدائه، ووضعهم جميعاً في خانة "معسكر الشر" .
لكن. وإذا كان المؤلف يؤكّد، بأشكال مختلفة، انتهاج السبيل الدبلوماسي في إطار العلاقات الدولية، فإنه يرى اللجوء إلى سياسة القوّة مفيداً في بعض الحالات. فهكذا، من وجهة نظره، كسب ريغان رهان تشدده حيال الاتحاد السوفييتي السابق، ولو "أن ذلك أدّى إلى مضاعفة ديون أميركا ثلاث مرّات".
ويلخّص المؤلف الفكرة التي تستند عليها الدبلوماسية الفرنسية الحديثة، بالقول إنها وليدة السياق التاريخي للأحداث العالمية منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية.
المؤلف في سطور
بيير غروسير. أحد الأبناء الأربعة للباحث الشهير في مجال العلاقات الألمانية ـ الفرنسية، ألفريد غروسير . حاز على الدكتوراه في التاريخ. يحمل شهادة التأهيل العليا ـ اغريغاسيون ـ في هذه المادّة. ويعمل أستاذاً في كلية العلوم السياسية في باريس. وهو أحد المتخصصين الفرنسيين في مجال العلاقات الدولية وفي الشأن الدولي بعد فترة الحرب الباردة. عمل لسنوات مديراً لقسم الدراسات في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الفرنسية. من مؤلفاته: 1989.. العام الذي اهتزّ فيه العالم.
الكتاب: التعامل مع الشيطان.. الرهانات الحقيقية للدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين
تأليف: بيير غروسير
الناشر: اوديل جاكوب- باريس- 2013
الصفحات: 364 صفحة
القطع: المتوسط
Traiter avec le diable
Pierre Grosser
Odile Jacob - Paris- 2013
324 pp
