غيّر ظهور التلفزيون، الكثير من عادات البشر وغزا السواد الأعظم من البيوت، ليصبح بمثابة "الضيف المقيم" الأكثر حضوراً في كل منزل. وللتلفزيون تاريخه غير البعيد في عموم بلدان العالم. وهذا التاريخ هو بالتحديد، موضوع كتاب أستاذ الأدب الإنجليزي والتاريخ الثقافي في جمعة ليفربول، جوي موران، تحت عنوان : "أمّة الأريكة"، إذ يدرس فيه تاريخ بريطانيا أمام التلفزيون، كما يقول عنوانه الفرعي. ويشرح المؤلف، على مدى صفحاته، الدور المركزي للتلفزيون في بيوت البريطانيين وفي حياتهم أيضاً.
يستحضر المؤلف، في الفصول الأولى من الكتاب، تلك السنوات الأولى من دخول التلفزيون، بالأبيض والأسود، إلى بيوت البريطانيين، ليغدو بسرعة، أحد "ركائز وسائل الإعلام الجديدة"، كذلك وسيلة إعلام مباشرة، للمرّة الأولى، بالنسبة للبريطانيين العاديين، وليس لنخبة محددة، مثل: محبو الكتاب أو المجلات (التي تتطلّب إمكانات مادية واستعداداً للقراءة في إطار شروط محددة).
يبين موران أنه نجح التلفزيون، منذ عقود، في إدخال المعلومات والأخبار على مدى 24 ساعة يومياً، كما أدخل مباريات كأس العالم لكرة القدم إلى البيوت، إلى جانب آلاف الموضوعات الأخرى. ووصل الأمر حد هيمنة حضور التلفزيون على نسبة كبيرة من البريطانيين بحيث أنه من الصعب أن "تتصوّر أسرة بريطانية، العيش من دونه، كما يشير المؤلف. وبذا أمسى جزءاً من نسيج الحياة، هذا فيما هو أبعد من موقف "الحب أو الشجب" لهذه "العلبة السحرية".
يمثّل الفصل الأول من الكتاب، نوعاً "من وجهة النظر الشخصية"، يقدمها المؤلف انطلاقاً من اعتبار كونه أحد أبناء جيل كان التلفزيون قد غدا بالنسبة إليهم ضرورة حياتية.. وأيضاً عايش الفترة التي سمحت فيها السلطات البريطانية للقنوات التلفزيونية الثلاث، أن تبث ما تشاء من الساعات سنوياً.. وليس بعدد ساعات معيّن، ذلك كما كان سائداً منذ الحرب العالمية الثانية.
ثم يتبع المؤلف المنحنى البياني الزمني لتطوّر التلفزيون وحضوره وتأثيره، بالتوازي مع تطور التكنولوجيات البصرية، وصولاً إلى الثورة الرقمية وما ترتب عليها من تطوّر نوعي. ويبدأ في التأريخ للتلفزيون، منذ بداياته المتواضعة، قبل حوالي 90 سنة، وحتى الوقت الحالي.
إحدى المسائل التي يركز عليها موران في تأريخه للتلفزيون في بريطانيا، ولسلوكيات المشاهدين للشاشة الصغيرة، البحث في الكيفية التي أثّرت فيها البرامج، الجيّدة منها والسيئة، على البريطانيين، مع مرور الزمن.
وما يوضحه المؤلف، بأشكال مختلفة، في هذا الكتاب، أن التلفزيون: "مصباح الأبله" كما أطلق عليه البعض، أثار الكثير من النقاشات حول تأثيره الاجتماعي، مع اتفاق الجميع أنه ساهم كثيراً، في تغيير المجتمع وفي التعامل مع الزمن على مستوى البشر.
كما أن تأثيره الكبير، حدث خلال فترة زمنية قصيرة جداً، بالقياس إلى دوره.. وتاريخه، ذلك منذ تجربة البث التلفزيوني الأولى أمام الجمهور عام 1929 من قبل الأسكتلندي جون لوجي بيرد، الذي يحتل مكانة خاصة في تاريخ التلفزيون، وعد، أخيراً، أحد أشهر 10 علماء في تاريخ اسكتلندا.
والنتيجة النهائية التي يصل اليها مؤلف الكتاب، هي أن تطور التلفزيون في بريطانيا، كان بمثابة انعكاس للطريقة التي تغير بها لمجتمع مع مرور السنوات.. ولكن أيضاً، انعكاساً للطريقة التي غيّر فيها التلفزيون المجتمع. نحو الأفضل أم نحو الأسوأ؟.. هذا الكتاب بمجمله محاولة للإجابة.
المؤلف في سطور
بدأ جوي موران حياته المهنية في مهنة الصحافة، ذلك قبل أن يتحوّل إلى التدريس. فهو منذ سنوات، أستاذ الأدب الإنجليزي والتاريخ الثقافي في جامعة ليفربول. يسهم بانتظام في الكتابة بعدد من الصحف البريطانية، خاصّة:" الغارديان" اللندنية. سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان: على الطرق، لاقى ترحيباً كبيراً من قبل النقاد وحاز على جائزة "صمويل جونسون" الأدبية.
الكتاب: أمّة الأريكة: تاريخ حميم لبريطانيا أمام التلفزيون
تأليف: جوي موران
الناشر: بروفايل- لندن- 2013
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
Armchair Nation
Joe Moran
Profile - London - 2013
352 pp.
