موليير هو أشهر كتّاب الكوميديا في الأدب الفرنسي. ومن بين أشهر أعماله المسرحية، كتابه الأكثر شهرة: «البخيل»، الذي أصبح اسم بطله «أرباغان» يعني «البخيل» في القاموس اللغوي الفرنسي. ولكن لموليير، أيضاً، عمل شهير آخر، عنوانه «المريض بالوهم». وهذا العمل لم يكن بعيداً عن العلاقة الحميمة التي نشأت بين موليير وعالم الصيادلة ــ العطارين، حسب التسمية القديمة ـ والأطباء.
الباحث الفرنسي الذي يحمل شهادتي دكتوراه من جامعة السوربون العريقة، في تاريخ العلوم والتاريخ الحديث، كريستيان وارولان، كان قد دافع عام 1994، عن أطروحة تحت عنوان «إطار الحياة المهنية والعائلية للعطارين ـ الصيادلة ـ في باريس خلال القرن السابع عشر».
ومن خلال ذلك الموضوع والبحث في ثناياه، تعرّف إلى واقع وجود علاقة وثيقة جداً، بين الكاتب الكبير موليير، الذي عاش في القرن السابع عشر، صاحب «المريض بالوهم»، وبين كبار عطّاري عصره وأطبائه. وتلك العلاقة هي موضوع كتابه الصادر، أخيراً، تحت عنوان «المريض بالوهم».
يكرّس المؤلف، القسم الأول من كتابه لتقديم لمحة موجزة عن سير حياة كبار صيادلة باريس في القرن السابع عشر، في خمسة فصول قصيرة. أمّا القسم الثاني من الكتاب، فيحمل عنوان «أشكال العلاج والأدوية ـ العقاقير ـ في القرن السابع عشر»، وذلك على مدى فصلين. وهناك قسم ثالث وأخير، يخص «الأطباء» في القرن السابع عشر، ويحتوي، أيضاً، على فصلين.
يشرح المؤلف بداية، أن موليير بمحض المصادفة سكن مدة عشر سنوات، مع زوجته، في شقة ضمن بناية (ولم يكن موليير أبداً مالكاً لسكنه)، كان يسكنها (الشقة) ثلاثة من صانعي العقاقير، صيادلة ذلك الزمن، الذين كانوا يهتمون بالملك وبحاشيته. وكان ممارسو تلك المهنة يحظون آنذاك، بمكانة اجتماعية عالية. وكانت تلك الفترة قد شهدت أيضاً، ولادة فكرة عمل موليير الشهير «المريض بالوهم». ويركز المؤلف على توصيف العلاقات «الفريدة» التي قامت بين موليير وعالم الصيدلة والطب.
وكان يشتري أدويته من عند جيرانه.. وبقي على اطلاع دقيق وعميق على مصادر المعلومات الطبية والصيدلانية، بفضل طبيبه وصديقه: أرمان جون دو موفيلان. ويشير المؤلف إلى أنه لا يوجد حتى الآن، أي كتاب عن سيرة حياة ذلك الطبيب الشهير الذي كان عميداً لكلية الطب. بل ويشير المؤلف إلى وجود مغالطات كثيرة قيلت حياله من قبل عدد من المؤرخين.
في القسم يتحدث المؤلف عن أشكال العلاج وتطور مفاهيم العقاقير الدوائية، وعن الوصفات الطبية في القرن السابع عشر. كما يشرح أنه لم يجر تحقيق تقدم كبير على صعيد العلاج، وبقيت طبيعة العقاقير مستقرّة، من دون تغيير، باستثناء المشكلات المتعلّقة بمعالجة «التقيؤ». وهذا ما يدلل عليه والوران بوجود تماثل شبه كامل للقوائم الخاصّة بعملية جرد الأدوية التي كانت مستخدمة في عالم الطب، خلال ذلك القرن.
يشرح المؤلف أن فن الطب في القرن السابع عشر، كان يعتمد أوّلاً وأساساً، على تحديد مصدر الخلل، ثم معرفة اللحظة التي يكون فيها التدخل فاعلاً.. وعندها اللجوء إلى العلاج المناسب، مثل: الفصد «إخراج الدم الفاسد». ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن القرن السابع عشر شهد بدايات «الطب العلمي». وكذا كان القرن السابع عشر قد شهد تطوّر مفهوم وصفات الأدوية.
والأسطر الأخيرة من الكتاب، مكرّسة لحدث رحيل موليير حيث نقرأ: «بعد أن مثّل دور المريض بالوهم ـ عنوان مسرحيته الشهيرة ـ توفي موليير في منزله، إثر زكام حاد نزل على رئتيه وسبب له سعالاً حاداً». كان ذلك بتاريخ 17 فبراير من عام 1673.
المؤلف في سطور
يحمل كريستيان وارولان شهادة الدكتوراه في العلوم وشهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة السوربون. وهو عضو شرف في الأكاديمية الوطنية الفرنسية للصيدلة ويترأس جمعية تاريخ الصيدلة. كان قد احتل العديد من المناصب العليا في ميدان صناعة الأدوية في فرنسا.
الكتاب: موليير والعالم الطبي في القرن السابع عشر
تأليف: كريستيان وارولان
الناشر: لارماتان - باريس - 2013
الصفحات: 194 صفحة
القطع: المتوسط
Molière et le monde médical
Christian Warolin
LصHarmattan - Paris- 2013
194 pp.
