يكثر الحديث في الآونة الأخيرة، عن مرض ازدواج الشخصية، بمعنى الانتقال من حالة ما، إلى نقيضها "من دون مقدمات". وتدل بعض الإحصاءات على أن المرض ذاك، يصيب نحو 5 في المئة من السكان في بلد مثل فرنسا. كما تشير الإحصاءات نفسها إلى أن الإصابة بالمرض ليست بعيدة عن العامل الوراثي. ذلك أن عدم وجود أحد أفراد العائلة مصاب به، يجعل نسبة إصابة أفرادها، جيلا بعد آخر، لا تتعدى 1 إلى 3 بالمئة، مقابل 10 بالمئة في حال وجود العامل الوراثي.
إن هيلين غابير وماري الفيري سيدتان فرنسيتان، جمعت بينهما صداقة وثيقة، على خلفية إصابتهما بمرض ازدواج الشخصية. ومعاً، قررتا تقديم شهادتهما عن تجربة المرض في كتاب يحمل عنوان: "اخترت الحياة"، تستعرضان حكاياتهما مع المرض.
تتحدث السيدتان/ المؤلفتان، في الصفحات الأولى من الكتاب، عن أحاسيسها في ظل المرض. وتشرح هيلين أن قدر بخار مضغوط كان يسكن جمجمتها، وأنه كان قابلا للانفجار في كل لحظة، بالإضافة إلى سلسلة من التشبيهات الأخرى التي ليس أقلّها، أنه كان في رأسها "محرّك سيارة".
ومما تقوله هيلين أيضاً، أن الأطباء شخّصوا أنها مصابة بمرض ازدواج الشخصية من الفئة الثانية ــ هناك ثلاث فئات ـ، وبالتالي، كان عليها أن تبدأ في تناول الأدوية المهدئة كي "يهدأ قليلا محرّك السيارة في رأسها"، وهي لا تزال تتناول تلك الأدوية، من دون انقطاع، إلى الوقت الحالي.
وتدرج المؤلفتان، في هذا السياق، شرحاً يفيد بأن الفئة الأولى تشابه كثيراً حالة "العصاب ـ الاكتئاب"، حيث يتأرجح المزاج بين فترات من الحبور.. وأخرى من الانهيار النفسي العميق. أما الفئة الثانية فهي أقل ظهوراً. إذ إن الاستثارة تكون معتدلة ويستطيع المعنيون بها عامّة، العيش بشكل طبيعي في المجتمع. والفئة الثالثة والأخيرة، تشابه الثانية من حيث الأعراض، مع فارق يتمثل في أن تناول الأدوية المهدئة، يولّد حالة من الهوس الخفيف.
ونعرف من خلال شهادة المؤلفتين ـ المصابتين بمرض ازدواج الشخصية، أن هيلين مريضة من "الفئة الثانية"، بينما ماري من "الأولى".
إن تركيز التفكير بموضوع محدد تجده هيلين مصدر إنهاك بدني. لذك تولي الكثير من انتباهها لممارسة الرياضة. فذلك، كما تبين، يسمح لها أن أن تترك التفكير الذهني الشاق كي تكرس كل انتباهها على نفسها. ولا تتردد في الاعتراف: "إنني أدرك مدى شراسة هجوم المرض عليّ، وما يترتب على ذلك من تعاقب سريع للحالات الإيجابية والسلبية . ثم إن أزماته تدمر قدرتي على التركيز كما تدمّر ذاكرتي".
أمّا صديقتها ماري، فإنها تبدو في شهادتها "أكثر صفاء وهدوءًا"، رغم أن تشخيصها المرضي يضعها في عداد مرضى الفئة الأولى، الأكثر إثارة للاضطراب النفسي "بالتعريف". ولا تتردد في أن تطلب فنجاناً من القهوة، وهي تقدّم، بشيء من الدعابة، لذلك، حجّة أخذ الأدوية التي تتطلب مادة سائلة.
ولكنها بالمقابل، تقدّم رواية مثيرة عن الحياة الجهنمية التي دفعها إليها المرض، إذ جعلها ممزقة تماما، بين نوبات الانهيار العصبي التي كانت تتكرر بإيقاع من الصعب تحمّله. ووصل بها الأمر إلى عدم القدرة على النوم. ولم تكن تجد ضرورة لذلك. وتضيف: "كنت أصرخ وأبكي بلا توقف. واعتراني الحقد والغضب الشديدان. باختصار، فقدت كل سيطرة على نفسي".
المؤلف في سطور
هيلين غابير، مدرّبة رياضية. وماري الفيري، ناشرة باريسية. وهما سيدتان فرنسيتان، مصابتان بما يسمى: مرض ازدواج الشخصية "الثنائية القطبية"، الذي يؤدي إلى تأرجح المصاب بين الحالات القصوى المتعارضة، فرحاً وحزناً وصمتاً وثرثرة. وقررتا في هذا العمل المشترك، تقديم شهادتهما عن تجربة الإصابة بالمرض.
الكتاب: اخترت الحياة .. أن تكون مزدوج الشخصية وتتخلّص من ذلك
تأليف: هيلين غابير وماري الفيري
الناشر: بايوت- باريس- 2013
الصفحات: 224 صفحة
القطع: الصغير
J ai choisis la vie
Helene Gabert et Marie Alvery
Payot- Paris- 2013
224 pp
