تشهد فرنسا، منذ سنوات، نقاشات تتسم أحيانا بالحدّة، حول مسألة "الهوية الوطنية" الفرنسية، وما يعني في الواقع، مسألة: تمثّل أو اندماج أو عدم اندماج، المهاجرين، في النسيج الاجتماعي الفرنسي.
وإذا كان مثل هذا الموضوع قد أثير في وقت مضى حيال المهاجرين الإيطاليين في مطلع القرن العشرين، إذ شهدت فرنسا توافد أعداد كبيرة من العمّال الإيطاليين إليها، فإن المقصود تحديدا اليوم، مسألة "اندماج" مهاجرين آخرين، هم بشكل خاص، المهاجرون القادمون من البلدان الإسلامية، وبشكل أكثر دقّة، من بلدان المغرب العربي وإفريقيا السوداء . وتحت عنوان "التمثّل الاجتماعي "، صدر قبل فترة قصيرة كتاب للباحثة في المسائل السكانية، ميشيل تريبالا، تتعرّض فيه لما تسميه "نهاية النموذج ـ الموديل ـ الفرنسي "، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب .
فهذا النموذج الفرنسي يقوم على مبدأ التمثّل الكامل للمهاجرين الذي يقررون حمل الجنسية الفرنسية . المسألة الأولى التي تتعرّض لها المؤلفة، تلك التي تتعلّق بـ "دقّة الأرقام " الصادرة عن المؤسسات الرسمية المعنية بالمسألة السكانية في كل جوانبها . ولا تتردد في القول ان السمة البارزة لهذه الأرقام، أنها "لا تتسم بقدر كبير من الانسجام والدقّة "؛ وأنها مكرّسة في أغلب الأحيان، لخدمة السياسات الرسمية التي تميل في السياق الحالي إلى التقليل من عدد الأجانب الموجودين في فرنسا.
المثال الأكثر بروزا الذي تقدمه المؤلفة، مفاده أنه حتى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، كان هناك اتجاه عام في المجتمع الفرنسي نحو تبنّي مفاهيم ذات طابع دنيوي. لكن، اعتبارا من ذلك العقد، برز توجّه معاكس في فرنسا، ذو طبيعة روحانية هذه المرّة، وخاصّة بالنسبة للفرنسيين من أصول مسلمة أو المقيمين فيها من المسلمين.
تدلّ الأرقام التي تقدمها المؤلفة، أن نسبة 43 بالمائة من الأطفال المولودين في فرنسا، خلال سنوات الستينات في القرن ال20، من أسر مسلمة كان يجري توجيههم نحو التمسّك بالتعاليم الإسلامية والتقيّد بالسلوك الديني . وهذه النسبة غدت 80 بالمائة في سنوات الثمانينات من القرن عينه. كما تعاظم التوجه الدنيوي والابتعاد عن الروحانيات لدى الفرنسيين الكاثوليك، كما تشير مؤلفة الكتاب .
وتتمثّل إحدى المسائل الرئيسية التي تتردد في جميع تحليلات العمل، في محاولة المؤلفة شرح الآلية التي كانت وراء الانتقال في فرنسا، من مفهوم التمثّل إلى مفهوم الاندماج. وهذا بمعنى أن التمثّل يعني الانحلال الكامل لهوية الفرنسيين من أصول أجنبية في الهوية الوطنية الفرنسية، بينما أن الاندماج يدل على مستوى أدنى بحيث يندمج الفرنسي من أصل أجنبي في النسيج الاجتماعي الفرنسي.
وفي المحصّلة النهائية، ترى المؤلفة أن مسائل الاندماج والتمثّل الاجتماعي والهوية الوطنية، مطروحة بقوّة على فرنسا الرسمية والمجتمعية، وأنه لا بد من البحث الجدي عن حلول توفيقية في منظور تجنب كل أشكال العنف والإقصاء.
الكتاب: التمثّل الاجتماعي..
نهاية النموذج الفرنسي
تأليف: ميشيل تريبالا
الناشر: توكان- باريس- 2013
الصفحات: 350 صفحة
القطع: المتوسط
Assimilation
Michele Tribalat
Toucan - Paris- 2013
350 pp
