قيل وكُتب الكثير عن العلاقات الأوروبية ـ الأميركية، وعن تطوّر مسارها . والمؤرّخة الألمانية، الأستاذة في جامعة نيويورك، ماري نولان، تكرّس لهذه العلاقات في القرن العشرين، الذي تحدده زمنيا بالفترة الواقعة بين عام 1890 و2010، كتابها الأخير :" القرن عبر الأطلسي".
تقدّم المؤلفة ـ المؤرخة، في هذا العمل، لمحة جامعة شاملة للعلاقات الأوروبية ـ الأميركية في القرن العشرين . وهكذا تتعرّض لهذه العلاقات في مختلف المجالات، انطلاقا من الاقتصاد وحتّى الدبلوماسية، ومرورا بالثقافة والسياسة .. وتجري المؤلفة نوعا من المقارنة بين المنظومات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها، القائمة بين التجربتين الأميركية والأوروبية، مبينة كيف ساهم ذلك في التقريب أو في التباين بينهما.
المنحنى البياني الذي يشكل الخط الناظم لتحليلات الكتاب، يتمثّل بالدرجة الأولى، في رصد تنامي النفوذ الأميركي في القارّة القديمة، أوروبا، بغربها وشرقها . والتركيز على القول ان الولايات المتحدة الأميركية، حققت تفوقها على صعيد هذه العلاقات، منذ أواسط القرن العشرين . ذلك بعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية، وبكامل قوتها الاقتصادية، بينما خرج معسكر الحلفاء في أوروبا "منتصرا" هو الأخر، ولكن "مهشّما اقتصاديا".
وفي المقابل، ترى مؤلفة الكتاب، أن النفوذ الأميركي بدأ التقهقر تدريجيا، منذ سنوات السبعينيات في القرن العشرين . وتربط ماري نولان، بين صعود النفوذ الأميركي في أوروبا.. ومن ثمّ تقهقره، وبين الاقتصاد .
ترسم المؤلفة، على مدى صفحات الكتاب، المسارات المختلفة لأشكال وآليات تبادل الأفكار والمنتجات والسلع والنماذج ـ الموديلات ـ الاقتصادية والثقافية . لكن أيضا وخاصّة، انتقال الأشخاص بين ضفتي المحيط الأطلسي . من خلال هذا كله، تتفحّص ماري الخلفيات التي قام على اساسها التعاون أو التباين أو الخلاف بين الطرفين.
إحدى نقاط التباين التي يجري التاكيد عليها بين النموذجين ـ الموديلين ـ الاجتماعيين في أميركا وأوروبا، تتمثل في الفارق الكبير في مجال الحماية الاجتماعية، إذ إن أوروبا تمثّل المنطقة التي تتمتّع بأوسع نظام حماية اجتماعية في العالم . هذه الحماية التي تمول من التوفير الخاص ومن المال العام، أي من قبل دافعي الضرائب للخزينة العامّة للدولة.
أمّا الفوارق بين أميركا وأوروبا، ضمن ما يتعلّق بالحروب، فتتحدث المؤلفة عن تباين في "الثقافة السياسية للحرب" ذاتها. وترى أن الفرق الأساسي لا يعود إلى كون أوروبا لم تعد ذات نزعة عسكرية.. بينما تنامت هذه النزعة لدى الجانب الأميركي فحسب، ولكن أيضا، يكمن الفرق على صعيد النفقات العسكرية وخصخصة صناعة السلاح. وهذا كلّه كان له انعكاساته على مفهوم الحرب نفسه وعلى الثقافة السياسية التي تنجم عن ذلك.
وتخلص المؤلفة إلى التأكيد، تبعا للتحليلات التي تقدمها في الصفحات الأخيرة للكتاب للعقود الأربعة الأخيرة من الزمن، إلى أن "الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا على صعيد البنية ـ البنيوية ـ ليست مرشّحة للتضاؤل". وتؤكّد أن الولايات المتحدة لم تعد، منذ فترة طويلة، تلك المرجعية الاقتصادية والسياسية والثقافية.. ولا تمارس التأثير نفسه، الذي كان لها في الربع الأخير من القرن الأميركي، خلال سنوات 1945 وأواسط سنوات السبعينيات في القرن ال20.
المؤلفة في سطور
ماري نولان ،مؤلفة هذا الكتاب ،هي مؤّرخة ألمانية وأستاذة مادة التاريخ منذ سنوات في جامعة نيويورك . مختصّة بالتاريخ الأوروبي والأميركي الحديث وخاصّة بتاريخ الحرب العالمية الثانية وبالعلاقات الأوروبية ـ الأميركية في القرن العشرين . من مؤلفاتها :" رؤى مختلفة حول الحداثة " و " جرائم الحرب : عقدة الذنب ونكرانها في القرن العشرين "....الخ.
الكتاب: القرن عبر الأطلسي
أوروبا وأميركا 1890 ـ 2010
تأليف: ماري نولان
الناشر: جامعة كمبردج - 2013
الصفحات: 406 صفحات
القطع: المتوسط
The Transatlantic century
Mary Nolan
Cambridge University Press
406 pp.
