يُولي العالم، حالياً، قدراً كبيراً من الاهتمام لما يجري في العديد من بلدان الوطن العربي. ويتفق الجميع على أن محرّك تلك الأحداث، ليس الجوع. لكن هذا لا يمنع واقع أن العديد من المراقبين والمحللين لفتوا إلى الأهمية الكبرى التي يكتسيها ما يسمّى "الأمن الغذائي". ومن هؤلاء المراقبين والمحللين، الباحث الفرنسي في الرهاتات الأساسية لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسّط، سيباستيان ابيس، الذي يرى أن مستقبل المنطقة يرتبط إلى حد كبير، بمستقبل الزراعة، كما يشرح في كتابه الذي يحمل عنوان: "من أجل مستقبل حوض المتوسط .. الزراعة".
يرى مؤلف الكتاب، أنه في هذا السياق من العولمة.. وحيث يأخذ البعد الاستراتيجي للمسائل الزراعية والغذائية أهمية متزايدة في حسابات القوة بالنسبة لمختلف الأمم، ينبغي إعطاء قدر أكبر من الأهمية لوزن الزراعة والمواد الغذائية في العلاقات الدولية، بل ويرى أنه تتوجب إعادة النظر في هذه العلاقات، على أساس أن المواد الأولّية والمنتجات الغذائية أصبحت تلعب دوراً أساسياً في توازن الأمم، وفي تعزيز استقرارها.
على ضوء المستجدات الخاصّة بزيادة أهمية البعد الزراعي ـ الغذائي، في استراتيجيات القوة التي تتبناها مختلف الدول، يؤكّد مؤلف الكتاب، ضرورة أن تعيد البلدان الأوروبية، وبلدان حوض البحر المتوسط الأخرى، النظر في أشكال تعاونها في منظور تعميقه.
ذلك على أساس أن الزراعة ببعدها الغذائي، تمثل أحد طرق المستقبل للوصول إلى أمن غذائي للبلدان المحيطة بالبحر المتوسط. ومن ثم الوصول إلى قدر أكبر من الاستقرار. فامتلاك وسائل أكثر فعالية لمواجهة التحديات الجيوسياسية القادمة.
يلفت المؤلف إلى أن منطقة حوض المتوسط، تُشكّل قلب العالم. ثمّ إن تسمية البحر المتوسط نفسها، جاءت من تعبير لاتيني يعني "بحر وسط الأرض". ويبين في هذا السياق، أن محيط البحر المتوسط، في قسميه الجنوبي والشرقي، يتصف بعوامل تعيق تطوّر الزراعة، من بينها ما يتعلق بالأرض، وأخرى بالسكان.
يشرح المؤلف في هذا السياق، أن هناك انحرافاً غذائياً مقلقاً على خلفية التحولات الاجتماعية ـ الديموغرافية. وما نجم عنها على صعيد السلوك الغذائي. وينقل المؤلف عن تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، أن العالم العربي "غني أكثر من ما هو متطوّر".
ويضيف، أن واحداً من أصل كل خمسة من أبناء العالم العربي، يعيش، حالياً، بـ "أقل من دولارين" يومياً. وبهذا المعنى، يرى المؤلف أن "الشرخ الاقتصادي" ليس بين جنوب المتوسط وشماله. ولكن أيضاً داخل كل طرف، حيث يتعايش أحياناً الثراء الهائل مع الفقر المدقع.
وفي معرض الحديث عن "الديناميات الزراعية والريفية"، في منطقة حوض المتوسط، يؤكّد المؤلف على أهمية الزراعة التي لا تؤمن الغذاء فحسب، لكنها تسهم أيضاً في إيجاد فرص العمل. من هنا، جعلت البلدان المتوسطية العربية التي نالت استقلالها، الزراعة في صميم سياساتها الاقتصادية. ذلك على خلفية إدراك مدى أهمية رهان "الأمن الغذائي". والتأكيد أيضاً أن الزراعة لا تزال "محرّكاً اجتماعياً هاماً".
والصفحات الأخيرة من الكتاب مكرّسة لتقديم بعض "التأمّلات المستقبلية" وتحتوي الإلحاح على ضرورة أن تنسّق أوروبا السياسات الزراعية والغذائية على أساس "الشراكة الدائمة".
المؤلف في سطور
سيباستيان ابيس، باحث فرنسي في مجال الجيوستراتيجيات بشكل عام وفي منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط خاصة. أولى الاهتمام أيضاً لدراسة المسائل المتعلقة بالزراعة والتغذية.
الكتاب: من أجل مستقبل حوض المتوسّط .. الزراعة
تأليف: سيباستيان ابيس
الناشر: لارماتان باريس ـ 2012
الصفحات: 150 صفحة
القطع: المتوسط
Pour le futur de la mediterranee : l agriculture
Sebastien Abis
L Harmattanذ Paris - 2012
150 pp.
