تعاني المجتمعات الغربية، تراخي الروابط الاجتماعية، في عصر سيطرة الثورة الرقمية، وما قدّمته من وسائل شغل أوقات الفراغ، بعيداً عن العلاقات الاجتماعية بالمعنى التقليدي. ومن المعروف، أن المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة في العالم العربي، خاصة، تعاني تعاظم النزعات الفردية، تحت عنوان عريض، هو أن يبحث كل إنسان عن مصلحته الخاصّة.
وفي مواجهة "أزمة الروابط الاجتماعية"، يطرح الباحث الاجتماعي الفرنسي بنجامان كوانييه، مجموعة من الأفكار التي تجد في الرياضة ذات الطابع الاجتماعي، التشاركي، أحد مشارب تعزيز الروابط الاجتماعية. وهذا ما يشرحه بالتفصيل في كتابه"الرياضة والتجديد الاجتماعي".
ينجز المؤلف، بحثاً ميدانياً حول دور ووظيفة الرياضة "التشاركية"، بمعنى تلك الرياضة التي تقوم على روح الفريق الجماعي، في الأحياء الشعبية، وذلك تحديداً، من خلال " الجمعيات الاجتماعية ".
ولا يتردد بنجامان كوانييه، في القول إن الرياضة ذات الطابع الاجتماعي التشاركي، تشكّل أداة هامّة في تعزيز الاندماج في النسيج الاجتماعي، خاصّة بالنسبة لشرائح السكان، التي تعاني "صعوبات" في الاندماج الحقيقي بالمجتمع، الذي تعيش فيه، والمقصود في البلدان المتقدّمة بهذه الشرائح، جموع المهاجرين أو أبناء الأجيال، الذين تعود أصولهم إلى أولئك المهاجرين الذين كانوا قد قدموا إلى البلدان المتقدمة، من أجل تشغيل آلتها الصناعية واقتصادها المزدهر، بصورة عامّة.
ومن الملاحظات التي يؤكّدها المؤلف، منذ البداية، أن القاموس العام المستخدم من قبل الطبقة القائدة في المجتمعات الغربية المتقدّمة، "يضخم"، دور الجمعيات العاملة في الإطار الاجتماعي، بحيث يقدمها على أنها "واحات للتعايش والسلم الاجتماعي تزدهر فيها روح المواطنة"، التي تشمل الجميع، وأنها تعمّق الروابط الاجتماعية.
وعلى مدى العديد من صفحات هذا العمل، يستعرض المؤلف النقاشات الدائرة على صعيد النموذج ـ الموديل ـ الرياضي التشاركي، والوصول من هذه النقاشات، إلى نتيجة مؤداها أن الدولة المأزومة، لم تعد تستطيع لعب الأدوار التقليدية حيال الأحياء الشعبية . ومن هنا جرى التفكير بإمكانية دفع التجديد الاجتماعي إلى الأمام، عبر النوادي الرياضية في الأحياء الشعبية.
وهناك تبدل يؤكّده المؤلف في سلوكات الشباب، في واقع اجتماعي غدا أكثر فأكثر تعقيداً، الأمر الذي يبدو من خلال وجود أزمة اجتماعية جليّة، في الأحياء التي يطلقون عليها تسمية "أحياء حساسة"، والتأكيد أيضاً في هذا السياق، أن نموذج تطوير الرياضة التشاركية، تأثر بالتبدلات الاجتماعية الجارية على ضوء مفهوم "ديمقراطية الرياضة".
وينقل المؤلف عن ميشيل جاميه، مؤلف كتاب " الرياضة المعاصرة"، قوله : "الرياضة موزّعة بين توجهين متناقضين. التوجه الأوّل يقوم على التشكيك بأطروحة المساواة الاجتماعية التي تمثّل ديمقراطية الرياضة تعبيرها الأكثر وضوحاً، ويعطي التوجه الثاني الشرعية للصيغة الحديثة للتراتبية الاجتماعية، القائمة على الجدارة وعلى المنافسة الرياضية".
ويشرح المؤلف أن "زمن الرياضة التشاركية" يجسّد، إلى درجة كبيرة، "الزمن الحالي من حيث تعاقب الأحداث، والتدفق المستمر من دون انقطاع للمعلومات .
ويجد المؤلف أن الجمعيات الاجتماعية مهتمة بالرياضة التشاركية، ويرى أن دينامية التجديد الاجتماعي تتجسّد في البحث عن إجابات جماعية لمشكلات اجتماعية محددة، في إطار جغرافي معين.
المؤلف في سطور
يحمل بنجامان كوانييه، شهادة الدكتوراه في "علم اجتماع.. سوسيولوجية الرياضة "، وهو متخصص في التجديد الاجتماعي، وكيفية شغل أوقات الفراغ، كما أنه باحث ـ مستشار في مجال المسائل المتعلقة بالمنظمات التربوية، وبالتضامن الاجتماعي .
الكتاب: الرياضة والتجديد الاجتماعي
تأليف: بنجامان كوانييه
الناشر: لارماتان- باريس- 2013
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
Sport et innovation sociale
Benjamin Coignet
LصHarmattan- Paris- 2013
304 pp
