انطلقت الحرب الأهلية الإسبانية في شهر يوليو من عام 1936، واستمرّت حتى شهر ابريل سنة 1939. إذ تجابه فيها معسكر الجمهوريين الداعمين لحكومة الجمهورية الحادية عشرة، مع مجموعة الضباط المتمرّدين، الذين حاولوا الانقلاب، بزعامة الجنرال فرانسيسكو فرانكو. فوجه عندها الجمهوريون نداء إلى قادة بريطانيا وفرنسا، الذين لزموا الصمت. ولم يقدّموا أية إجابة.

لكن أفق وصول الفاشية إلى اسبانيا، البلد الأوروبي، أثار حفيظة الكثير من الأوروبيين على صعيد القارّة كلّها، تدفّق المتطوعون لمساعدة الجمهوريين. وكان من بينهم 2500 متطوع قدموا من بريطانيا وأيرلندا وبلدان الكومنولث. وهؤلاء بالتحديد، هم موضوع، كتاب الباحث البريطاني ريشارد باكسل: "محاربون بعيدو الاحتمال".

انخرط المتطوعون البريطانيون في "الكتائب الدولية"، كما يشير المؤلف بداية. ويؤكّد مباشرة، أنهم لم يكونوا، مثل ما يقال عادة، جيشاً من المغامرين والشعراء وأصحاب النزعات المثالية الذين دفعتهم "رومانسيتهم" إلى خوض تجربة القتال في الحرب الأهلية الإسبانية. ولكنهم كانوا بغالبيتهم العظمى، من أبناء الشرائح الشعبية الذين تركوا وراءهم الأعمال المتواضعة التي كانوا يشغلونها وتركوا عائلاتهم للقتال عن سابق الإصرار والتصميم في حرب أهلية شرسة على أرض غريبة.

يحدد المؤلف القول، إن حوالي 500 منهم، لم يعودوا أبدا إلى أهلهم وبلادهم. وكان المؤلف قد قابل بعض الذين بقوا، "حفنة قليلة"، على قيد الحياة. إذ قدّموا شهاداتهم التي أكّدوا فيها أنهم كانوا على وعي تام بالخطر الذي كانت تمثله الفاشية على القارّة الأوروبية كلّها، وأنهم خاضوا المعارك ضد فرانكو من موقع التعلّق بالحريّة.

شكلت "الأراشيف" في بريطانيا وإسبانيا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، مصادر أساسية بالنسبة للمؤلّف في كتابه. ذلك إلى جانب كتابات بعض المشاهير وكتابات "غير منشورة " للكثير من "المغمورين". وعبر هذا كلّه، يمثّل الكتاب نظرة جديدة للحرب الأهلية الإسبانية، وتوصيفا لما فعله رجال ونساء عاديون، انتهجوا "خيارات غير عادية"، حسب التعبير المستخدم.

ويركز ريشارد باكسل، كثيرا، على توصيف تجارب أولئك البريطانيين الذين خاضوا الحرب الأهلية الاسبانية، في إطار "الكتائب الدولية"، لكنه لم يغفل أيضاً، أولئك الذين خاضوها في سياقات أخرى، مثل الكاتب البريطاني الشهير جورج اورويل الذي قدّم إحدى أشهر الشهادات عن الحرب الأهلية الإسبانية، في نصّه الذي يحمل عنوان "في تكريم كاتالونيا".

وهناك العديد من الصفحات، مكرّسة كذلك، للبريطانيين "النادرين" الذين عاشوا تجربة الحرب الأهلية الإسبانية في صفوف معسكر الجنرال فرانكو، وصفحات أخرى يشكل الصحافيون البريطانيون، الذين "غطّوا" أخبار الحرب الأهلية الإسبانية خلال سنوات 1936 ـ 1939، موضوعها.

وفي كل الحالات، يبين المؤلف أنه كان المتطوعون البريطانيون في الحرب الأهلية الإسبانية، مثل غيرهم، لا يمتلكون أي "تأهيل عسكري ولا أية تجربة حربية". ولا يغطي ريشارد باكسل واقع أن العديد من المتطوعين البريطانيين كانت تنقصهم الكفاءة. ولم يقدموا الكثير للقضية التي كانوا يدافعون عنها.

يشرح مؤلف الكتاب، أن البلد الوحيد الموجود في القارّة الأوروبية، كلياً أو جزئياً، الذي لم تقدّم مساهمات فعّالة في "الكتائب الدولية" المؤيدة للجمهوريين، ضد المشروع الفاشي لفرانكو، كان الاتحاد السوفييتي الذي كان من المتحمسين لفكرة تشكيل "الكتائب الدولية"، بل وكان وراءها إلى حد كبير. وفي المقابل، أعدم ستالين بعض الخبراء الذين شاركوا فيها عند عودتهم إلى روسيا.

وهكذا، كان الغرب هو الذي قدّم القسم الأكبر من المتطوعين الدوليين في الحرب الأهلية الإسبانية. وكان من بين المتطوعين، أدباء وسينمائيون قدّموا شهاداتهم عن تجربة الحرب الأهلية الإسبانية، كما عاشوها، لكن الأغلبية كانت، كما يشرح المؤلف، من شرائح البشر العاديين البسطاء.

 المؤلف في سطور

 ريشارد باكسل. باحث في إطار نشاطات مدرسة لندن للاقتصاد. يسهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات. يولي اهتمامه التاريخي خاصّة للحرب الأهلية الإسبانية. لديه العديد من المؤلفات، منها: المتطوعون البريطانيون في الحرب الأهلية الإسبانية.

 الكتاب: محاربون بعيدو الاحتمال..

بريطانيون في الحرب الأهلية الإسبانية وضد الفاشية

تأليف: ريشارد باكسل

الناشر: اوريوم برس- لندن 2012

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Unlikely warriors

Richard baxell

Aurum press ltd - London ذ 2012

400 pp.