يتعرض مؤلف كتاب حَكَمَة سوريا للتاريخ السوري الحديث، من خلال سيرة حياة الرئيس السوري الأسبق، هاشم الأتاسي، الذي عاصر جميع المراحل السابقة. وكان شخصية فاعلة وأساسية في الأحداث التي عرفتها سوريا. ولم يكن قد قام بكتابة مذكراته طيلة حياته.. كما لم يهتم بجمع الصور التذكارية مع قادة عصره. بل، لا تمتلك أسرته الكثير من الوثائق عن تلك المرحلة المهمة والمفصلية من تاريخ سوريا الحديث، كما يشير المؤلف في الأسطر الأولى من عمله.
ويشير رضوان أتاسي منذ البداية، إلى أنه يرمي في هذا العمل إلى تصحيح العديد من الآراء والتحليلات الصادرة عن أولئك الذي كتبوا عن الحقبة نفسها. لكن التأكيد، في الوقت نفسه، أنه ينطلق من موقف غير متحيّز على قاعدة قرابة الدم التي تربطه بهاشم الأتاسي، جدّه.
تتوزّع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول. يستعرض المؤلف في الأول منها على مدى صفحات قليلة، نبذة سريعة عن تاريخ عائلة الأتاسي ومواقفها التاريخية، ليكرّس الثاني لـ«الحقبة العثمانية»، والثالث لما يسميه «الاستقلال الأوّل ـ الحكومة العربية». ومن ثم يخصص الفصول الثلاثة التالية، لـ«الانتداب الفرنسي» الذي يدرسه المؤلف على أساس تقسيمه إلى ثلاث مراحل رئيسية، بواقع فصل لكل منها، وهي مراحل: «1926 ـ 1936، 1936 ـ 1939، 1939 ـ 1946». والفصل الأخير من الكتاب يخص «سوريا المستقلّة».
يذكر المؤلف أنه مع هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتفككها فتشكيل حكومة عربية في دمشق، سمي هاشم الأتاسي بمنصب «المتصرّف» في حمص. ثم جرى انتخابه عن المدينة عام 1919 في «المؤتمر السوري» في دمشق، إلى جانب العديد من موفدي مختلف المناطق السورية، وكان في عدادهم إبراهيم هنانو، عن حارم.
وتولّدت عن ذلك المؤتمر السوري العام، حكومتان ترأس إحداهما رضا الركابي والأخرى هاشم الأتاسي.
يشرح رضوان الأتاسي أن الشعب السوري وممثليه في المؤتمر السوري، رفضوا الانتداب الفرنسي وطالبوا بـ«دولة سورية موحّدة ومستقلّة». كانت إجابة فرنسا هي إعلان فصل لبنان الكبير.
وكانت سلطات الانتداب الفرنسي بعد أن فرضت سيطرتها على عموم التراب السوري قد قسمت البلاد إلى خمس دول صغيرة: دولة دمشق ودولة حلب ودولة اللاذقية ودولة جبل الدروز.. وللمرّة الأولى دولة لبنان الكبير التي أعلنها الجنرال غورو رسمياً في الأول من سبتمبر عام 1920 في بيروت، بعد فترة وجيزة من دخول القوات الفرنسية إلى دمشق وإلى بقيّة المناطق السورية.
ويشير المؤلف إلى أن هاشم الأتاسي رفض في آنذاك تشكيل حكومة سورية «طالما أن فرنسا لم تعترف بوحدة سوريا». في مثل ذلك السياق بدأت ترتسم ملامح قيام «كتلة وطنية» سورية لتقود «معركة الشعب السوري من أجل الاستقلال ووحدة سوريا».
ويبين المؤلف أنه مع نشوب الحرب العالمية الثانية شاعت في الغرب فكرة منح «استقلال شكلي» لبلدان العالم الثالث. وشهدت تلك الفترة، محادثات لعودة هاشم الأتاسي لرئاسة الجمهورية مرّة ثانية. واقترح الأتاسي إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية. وأعلن الفرنسيون قبولهم الفكرة عام 1943. ولم يشأ الترشح للمنصب الرئاسي، وأعطى الضوء الأخضر لشكري القوتلي لترشيح نفسه.
بعد الاستقلال أراد هاشم الأتاسي الانسحاب من الحياة العامّة، لكنه ترأس في ظروف بدت خطيرة، الحكومة ورئاسة الجمهورية لأيام قليلة عام 1949. وأعلن بعدها استقالته في أجواء سلسلة من الانقلابات العسكرية. فأُعيد انتخابه كرئيس للجمهورية في سبتمبر عام 1950، وتنحى عن المنصب مع انقلاب أديب الشيشكلي عام 1951. وعاد إليه بعد سقوط نظام الشيشكلي عام 1954. وجرى انتخاب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية عام 1955. وتوفي هاشم الأتاسي عام 1960.
المؤلف في سطور
رضوان الأتاسي. مهندس مدني من حيث تكوينه المهني. ولكنه مولع بعلم التاريخ عامّة، ومهتم بتاريخ سوريا الحديث ومسارها السياسي بشكل خاص. وهو حفيد هاشم الأتاسي، أوّل رئيس سوري بعد الاستقلال.
الكتاب: حَكَمة سوريا.. تاريخ سوريا عبر سيرة حياة هاشم الأتاسي
تأليف: رضوان الأتاسي
الناشر: لارماتان - باريس - 2013
الصفحات: 219 صفحة
القطع: المتوسط
Sagesse syrienne
Radwan Atassi
L Harmattan - Paris- 2013
219 pp
