من المقولات الشهيرة لعالم الجغرافيا الفرنسي البارز: إيف لاكوست، ما معناه أن "الجغرافيا هي الصانع الأهم للتاريخ" . ومثل هذه المقولة تجد معناها الأكثر بلاغة بالنسبة لبلد مهم في أميركا اللاتينية، وهو المكسيك، حيث تأثرت صياغة مسارها التاريخي بواقع أن لها حدوداً مشتركة مع القوّة العالمية العظمى الأولى، الولايات المتحدة الأميركية، طولها 3000 كيلو متر. وهذه إحدى السمات المهمة التي يؤكّدها الكاتب الفرنسي والسفير لبلاده في عدد من بلدان أميركا اللاتينية، الان روكييه، في كتابه " المكسيك : دولة من أميركا الشمالية".
يشرح روكييه أنه منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، تشكّل هذه القوّة الكبرى( الولايات المتحدة الأميركية)، الشريك التجاري الأول للمكسيك، بينما يعيش عشرات الملايين من المكسيكيين المهاجرين، الذين اكتسبت نسبة كبيرة منهم الجنسية الأميركية، في الولايات المتحدة..
ويشكلون المكوّن الإسباني ـ الهسباني ـ، الأول فيها، بالقياس إلى المهاجرين الآخرين. وفي المقابل، تمارس واشنطن تأثيراً واضحاً وكبيراً على التوجهات السياسية والاقتصادية للمكسيك . ومن هنا، يمكن توصيف المكسيك كـ "دولة من أميركا الشمالية"، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.
يرى الان روكييه أن المكسيكيين ينقسمون حيال العلاقة المتداخلة بين المكسيك والولايات المتحدة، إلى تيارين عريضين، "التيار المتفائل"، الذي يرى أن هذا التداخل يصب في مصلحة المكسيك، و"التيار المتشائم" الذي يخشى المنضوون في إطاره، أن ينتهي الأمر بالمكسيك إلى "دولة حرّة مشاركة"، غنية بالموارد الطبيعية والبشرية ولكن مع تقهقر، بل وانحلال، هويتها الوطنية "الراسخة".
وفي كل الحالات، يؤكّد المؤلف أن الحضارات فانية، والتفوّق هش ومتبدّل. والمكسيك تحاول، حالياً، تزويد جارها الأميركي العملاق، بينما كانت تحاول في الماضي دحره . والإشارة في هذا السياق إلى أن المكسيك تمتلك موقعاً استراتيجياً منفتحاً على شمال القارّة الأميركية وجنوبها. وهذا ربما يمكّنها من أن تلعب مستقبلًا، دوراً في قيام "العالم ما بعد الغربي"، الذي تتكوّن ملامحه في الوقت الحالي.
ما يؤكّده المؤلف، عراقة الأمّة المكسيكية، ويبين أنه " تعود أصول المكسيك إلى آلاف السنوات، لشعب يؤكّد تمسّكه بماضي الحضارات التي لا تزال موجودة. ولا شك في أن للجغرافيا دورها، لكن التاريخ يصنعه ويكتبه، بالمحصلة، البشر ". والتأكيد بجميع الحالات، أن فهم ما يجري في الحاضر، يستدعي بالضرورة، العودة إلى التاريخ، فالحاضر لا يوضّح كل شيء، والأحداث هي حصيلة تاريخ طويل، كما نقرأ.
لا يتردد المؤلف في القول، إن المكسيك ذات المخزون الثقافي الأكثر كثافة في أميركا اللاتينية، لا تعاني أبداً أي خطر يؤدي بها إلى الانحلال بفعل وجود جارها الأميركي القوي، بل يمتلك المكسيكيون اليوم ورقة رابحة كبيرة، ينبغي أن يلعبوها بفضل النفوذ المتعاظم الذي يتمتعون فيه، بفعل الحضور الكبير للهجرة المكسيكية ـ الهسبانية ـ في الولايات المتحدة الأميركية.
المؤلف في سطور
سافر الكاتب الفرنسي، الان روكييه، للمرّة الأولى، إلى أميركا اللاتينية، عندما كان في الخامسة والعشرين من عمره ، وأصبح، في ما بعد، خبيراً في تلك المنطقة من العالم، وعمل سفيراً لفرنسا في العديد من بلدانها: السلفادور والمكسيك والبرازيل، و أيضاً في : إثيوبيا ضمن إفريقيا. من مؤلفاته: السلطة العسكرية والمجتمع في جمهورية الأرجنتين.
الكتاب: المكسيك .. دولة من أميركا الشمالية
تأليف: الان روكييه
الناشر: فايار باريس 2013
الصفحات: 496 صفحة
القطع: المتوسط
Le Mexique
Alain Rouquié
Fayard ذ Paris 2013
496 pp.
