عرفت العقود الأخيرة، عدة ظواهر لها علاقة بأمراض، بدا بعضها قاتلا والآخر مهددا بانتشار أوبئة لم تكن معروفة من قبل .. الجديد في هذه الموجة الجديدة من الأمراض والأوبئة، الحديث عن أن مصدرها الحيوانات التي تعيش مع البشر أو في محيطهم القريب أو البعيد.
هكذا شاعت تسميات على غرار "داء الكلب"، مثل: "جنون البقر"، "انفلونزا الطيور". وليس قليلا عدد أولئك العاملين في حقل العلوم الطبية الذين يقولون بأطروحات يعيدون فيها أمراضا خطيرة وقاتلة، كالسرطان ومرض نقص المناعة المكتسب "الأيدز"، إلى منشأ حيواني. وهناك أصابع اتهام تتوجّه الى الحيوانات الأليفة التي يربيها البشر في بيوتهم، التي تجاوزت الكلاب والقطط لتصل إلى السلاحف والقردة والثعابين.. وغيرها من الزواحف.
مسألة الأمراض والأوبئة الإنسانية ذات المنشأ الحيواني، هي موضوع كتاب الصحافي الأميركي المتخصص في المجال العلمي ومشاكل البيئة، دافيد كوامن. وعنوان الكتاب هو "الطفرة". إذ يدرس فيه مؤلفه "الأمراض ذات المنشأ الحيواني والوباء الإنساني القادم"، كما جاء في العنوان الفرعي، والذي يصفه، مع أولئك المتخصصين في علم الأوبئة الذين قابلهم، بـ"الوباء الكبير".
يفتتح المؤلف عمله بالحديث عن الواقع الجديد الذي تعيشه البشرية، منذ فجر الثورة الصناعية الكبرى والثورة الرقمية حديثة العهد، وما ترتب عليهما من تطوّر علمي وتكنولوجي في مختلف الميادين، وليس أقلّها أهمية ميدان الصحة الإنسانية. إذ تجاوز عدد سكان المعمورة، منذ فترة قريبة سقف الـ7 مليارات نسمة. وهناك 70 مليونا إضافيا في كل عام.
من المظاهر الأساسية في هذا العمل، تعمد مؤلفه، فصلا بعد آخر تكريس كل منها لـ"مجرم جديد"، المبادرة إلى عملية تقصّي وتعقّب لما يبدو كمجرمين تتعقّبهم الشرطة. المجرمون الذين يعنيهم حقيقيون وقتلة من الطراز الأوّل.. وهم جمهور عريض من الفيروسات والجراثيم المسببة للمرض: ميكروبات وفطريات وديدان شريطية وإكليلية.. وغيرها من تلك الشائعة في عالم الحيوانات. ولكن التي تتجاوز الحدود لتنتقل إلى الإنسان.
الفصل الأول، الافتتاحي، مكرّس لفيروس يصفه المؤلف بـ"الرهيب" الذي يصرع الأحصنة والبشر، إنه الفيروس المعروف باسم "فيروس ايبولا" الذي يعاد منشؤه إلى استهلاك لحم مجموعة ميتة من قردة الغوريللا في إحدى الغابات. وفي جميع الفصول التالية يشرح المؤلف آلية دخول واكتشاف مرض آخر مصدره حيواني، إلى المنزل.
ولا يبحث المؤلف عن "إثارة الرعب" لدى قارئه، لكنه يحاول أن يشرح الآليات المعقّدة التي يمكن أن يجري عبرها انتقال الفيروسات وغيرها من الميكروبات الصغيرة القاتلة من الحيوانات، إلى البشر.. وهذا في عالم لم تعد فيه حواجز كبيرة بين الكائنات التي تعيش فيه. كما يحاول أن يبسّط بعض المفاهيم العلمية والطبيّة المعقّدة للقارئ غير المتخصص.
ومن الأفكار التي يرددها كوامن، بأشكال مختلفة، تأكيده أن الأبطال الحقيقيين في مجال مكافحة الفيروسات والميكروبات القاتلة للإنسان، ذات المنشأ الحيواني، هم أولئك الباحثون العلميون من مختلف المشارب، الذين يمضون أوقاتا طويلة في مختبراتهم، من أجل التعرّف على "المجرمين المجهريين".
المؤلف في سطور
دافيد كوامن. صحافي أميركي. متخصص في المسائل العلمية والبيئة، والعلاقات بينهما. يسهم في الكتابة في عدد من الصحف والدوريات. حصل على العديد من الجوائز العلمية. قدّم خمسة عشر كتابا، حتى الوقت الحالي، في مجال اهتمامه، في عدادها: أحداث طبيعية.
الكتاب: الطفرة ..
الأمراض ذات المنشأ الحيواني والوباء الإنساني القادم
تأليف: دافيد كوامن
الناشر: نورتون- نيويورك 2012
الصفحات: 592 صفحة
القطع: المتوسط
Spillover
David Quammen
Norton ذ New York ذ 2012
592 pp.
