لا شك أن نابليون بونابرت، أحد أكبر، إن لم يكن أكبر، الشخصيات السياسية الفرنسية في كل العصور. وإذا كان قد كُتب الكثير عن سيرة حياته، فإنه لم يزل هناك من يرى أنه يستحق الحديث عنه أكثر فأكثر، والتعريف بكل دقائق حياته التي يجد كل من ينقّب فيها شيئاً جديداً.

هذا بالتحديد ما يؤكّده مؤرخ الثورة الفرنسية والأستاذ الجامعي الفرنسي، باتريس غينياي، الذي كرّس لسيرة حياة الإمبراطور الشهير، كتاباً من مجلّدين، صدر الأول منهما قبل أسابيع قليلة، تحت عنوان "بونابرت"، وهو مكرّس لفترة شباب نابليون وصعوده السياسي.

يشير المؤلف في بداية عمله، إلى أنه مهما كُتب عن بونابرت. هناك عشرات الآلاف من الكتب مكرّسة للكتابة عن نابليون، لا يمكن الوصول إلى الحقائق النهائية لشخصية مثله تملكت "الكثير من السمات المتناقضة". ويوضح أنه لم يُكتب سوى القليل عن نابليون رجل السياسة. و"الأقل عن فترة شبابه ومسار صعوده السياسي".

ومن ما يركز عليه المؤلف، في توصيفه لشخصية بونابرت، أنه لا يزال يجسّد الإنسان الحديث. وأنه تصرّف منذ سنوات شبابه، على قاعدة اعتقاده الراسخ، أن لا شيء يمكن أن يقاوم أمام الإرادة المصممة. ومسيرة نابليون نفسها كانت تجسيداً لتلك المقولة. فهو بدأ مسيرته السياسية من موقع لم يكن فيه ما يميّزه من حيث منشئه وانتمائه العائلي. الأدوات الأساسية والوحيدة التي اعتمد عليها يجري تحديدها بـ"التصميم والعمل والموهبة".

بدأ نابليون بونابرت "صغيراً".. وأصبح.. "كبيراً". وعرف كيف يحافظ دائماً على موقعه ومكانته. هكذا يؤكّد المؤلف، لافتاً إلى أن بونابرت لا يزال يملك سحراً على الأجيال، جيلاً بعد جيل، فحضوره قوي في مشهد الحداثة، وهو الذي لم يقتصر على هندسة السياسة، بل اهتم بجميع التفاصيل التي تتعلّق بمواطنيه الفرنسيين وبمستقبلهم القريب والبعيد. وكان يمثّل، ولا يزال، شخصية الإنسان الذي يستطيع شقّ طريقه صعوداً مهما كان منشأه.

يشرح المؤلف أن مسألة الاعتماد على الإرادة، كانت من صفات نابليون منذ سنوات شبابه الأولى. وينقل عنه المؤلف، أنه كتب في رسالة وجهها إلى جوزفين، عندما كان عمره 25 سنة فقط، جملة مفادها: "لدي قناعة كاملة أن مصيري لن يستطيع مقاومة إرادتي". وعلى قاعدة تلك القناعة، قاده مساره من جزيرة كورسيكا، إلى حدائق التويليرى الملكية في باريس.

يوضح المؤلف أنه عندما كان نابليون "تلميذ ضابط"، راوده حلم تحرير كورسيكا، على خلفية إحساسه الوطني الكورسيكي، وليس خدمة التاج الفرنسي: "رمز. الاضطهاد".. ولم يكن ميّالاً أيضاً للثورة وللثوريين، بل كان شديد الإعجاب بالطبقة الأرستقراطية. ومن هنا كان فخوراً بعلاقته مع جوزفين. لكنه وقف، مع ذلك، إلى جانب الثورة "التي قدّمت له كل شيء".

وعبقرية نابليون وكونه استثنائياً، أمران يجدهما المؤلف في قدرته على أن يجد مصالحة بين النظام الملكي والنظام الجمهوري.

 المؤلف في سطور

 يحمل باتريس غينياي شهادة الدكتوراه في مادّة التاريخ. إذ كانت أطروحته عن تاريخ الثورة الفرنسية. يعمل أستاذاً في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، وانتخب رئيساً لها عام 2001. اسهم في تحرير "القاموس النقدي للثورة الفرنسية" الذي أشرف عليه المؤرّخ الفرنسي الشهير فرانسوا فوريه. ومن مؤلفاته: سياسة فترة الرعب.. دراسة عن العنف الثوري.

 الكتاب: بونابرت

تأليف: باتريس غينيفاي

الناشر: بيرّن - باريس - 2013

الصفحات: 864 صفحة

القطع: المتوسطBonaparte

 

 

Patrice Gueniffey

Perrin. Paris- 2013

864 pp