تواجهت فرنسا وألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. واليوم تشكلان معاً المحرّك الرئيسي لمسار التوحيد الأوروبي. ومن المعروف أن العلاقات الفرنسية ـ الألمانية، اتسمت لقرون طويلة، بحالة من «النفور المتبادل». هذا الجانب من العلاقات بين البلدين، موضوع كتاب أحد المديرين السابقين لمجلة «الإكسبريس» الفرنسية، جورج غالانس الذي يقدم «تاريخاً موجزاً لنزعة بغض الجرمان ـ الألمان»، لدى الفرنسيين، كما يقول العنوان.
فرنسا وألمانيا هما بالتأكيد أمّتان «منارتان»، كما يصفهما مؤلف الكتاب، في القارة الأوروبية. وتنحدران من إمبراطورية شارلمان، كلاهما؛ أي ما يفترض أنهما «أختان». لكن التاريخ يقول شيئاً آخر. ذلك أنهما لم يكفّا أبداً عن مراقبة كل منهما الأخرى، وحذر كل منهما من الأخرى وحقد كل منهما على الأخرى.. إلى بقية المرادفات التي تصبّ في خانة التمايز بين النموذجين، نفسها.
تتردد غالباً فكرة أن نزعة بغض الفرنسيين للألمان، تعود إلى حرب 1870. وهذا يعده المؤلف بمثابة خطأ شائع. مع إشارته إلى أن كلمة «بوش ـ Boche» استخدمت في نهايات القرن التاسع عشر. وهي كلمة ذات دلالة سيئة، للدلالة على أنها تعني ألماني أو شخص من أصل ألماني. وشاع استخدامها خاصّة، في زمن الحروب. وهي تنتمي أصلاً إلى القاموس العسكري، لكن جرى تعميم استخدامها لتدل على الألمان بصورة عامّة.
يقدّم المؤلف العديد من الكتابات الأدبية التي يعود بعضها إلى القرون الوسطى، ومن الحكايات الشعبية التي ترسم كلّها صوراً نمطية «كليشيهات» للألماني الذي يتحرّك في جميع الميادين بـ«معيار». والإشارة إلى أن «التباين» بين الفرنسيين والألمان، يصل إلى أسلوب الكتابة نفسها. هذا ما يشرحه المؤلف باستفاضة تحت عنوان «خوف منذ زمن الجدود»، وصولاً إلى طرح التساؤل التالي: «كيف يمكن وجود أعداء بالوراثة؟».
إنه يرجع إلى القرن الثالث عشر، وتحديداً إلى يوم 27 يوليو من عام 1214 الذي شكّل، في رأيه، نقطة انعطاف مهمة في التاريخ الأوروبي مع معركة «بوفين». إذ تواجهت في تلك المعركة جيوش ملك فرنسا فيليب أوغست مع تحالف يقوده الإمبراطور الجرماني أوتون الرابع. وانتصر الملك الفرنسي على خصومه، ولمع نجم فرنسا على المسرح الدولي، بينما شاعت في الطرف الآخر المشاعر. على أن الأمر كان يتعلّق بانتصار الفرنسيين على الألمان.
وبالتوازي مع المواجهات العسكرية المتكررة على جبهات القتال تنامت إذاً، كما يشرح المؤلف، الخلافات في الرؤية إلى الأمّة والدولة والسياسة بصورة عامّة. وترافق ذلك بتنامي «نزعة بغض الألمان» لدى الفرنسيين. ويلفت المؤلف في هذا السياق إلى الدور الكبير الذي لعبته سياسة الأرض المحروقة التي تبنّاها الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، حيال ألمانيا، في تأجيج مشاعر البغض المتبادلة. إذ إنها لم تهدأ إلاّ مع نهاية الحرب العالمية الثانية.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يبيّن المؤلف كيف أن «الأهداف المتعاكسة» للقوتين الأوروبيتين الكبيرتين، ظلّت ثابتة من دون تغيير عملياً، على مدى قرون عدة.
المؤلف في سطور
كان جورج فالانس، مديراً مفوّضاً لمجلة «الإكسبريس»، عدّة سنوات. وهو باحث متخصص في التاريخ والاقتصاد. حاز عدّة جوائز في عالم الأدب والفكر. قدّم ما يزيد على عشرة كتب. ومن بينها: سيرة حياة هوسمان.
الكتاب: تاريخ موجز لنزعة بغض
الجرمان «الألمان»
تأليف: جورج فالانس
الناشر: فلاماريون - باريس - 2013
الصفحات: 244 صفحة
القطع: الصغير
Petite histoire de la germanophobie
Georges Valance
Flammarion- Paris- 2013
244 pp
