بلاد مارست التهريبهل كان يمكن للولايات المتحدّة الأميركية أن تنال استقلالها من دون العاملين في التهريب والتجارة الممنوعة؟ وهل كان يمكن لها أن تقوم بثورتها الصناعية بلا القرصنة الفكرية؟ وهل كان يمكن احتلال غرب القارّة من غير تجارة الكحول؟

هذه الأسئلة ذات الوقع المثير للدهشة لم يطرحها أحد خصوم الولايات المتحدة، أو منافسيها. لكن، طرحها أستاذ جامعي أميركي محترم في جامعة براون للعلوم السياسية، في إحدى الجامعات الأميركية. وهو بيتر أندرياس، أحد باحثي معهد بروكينز ومؤلف العديد من الكتب، الذي أصدرت له جامعة أكسفورد العريقة، مؤلفات كثيرة. وصدر له، أخيراً، كتاب بعنوان «بلاد مارست التهريب»، يبحث فيه «كيف ساهمت التجارة غير المشروعة في صنع أميركا؟»، كما يقول عنوانه الفرعي.

لعلّ هذا هو الكتاب الأوّل عن تاريخ التهريب والتجارة غير المشروعة بكل أنواعها، في أميركا، منذ الحقبة الاستعمارية حتى الوقت الراهن. ومن خلال التداخل بين الأمن والاقتصاد السياسي والجريمة المنظّمة «العابرة للقارات»، ودور هذه المشارب في العلوم السياسية، يحاول المؤلف البحث في الأسس التي قامت عليها الولايات المتحدة في توسعها وفي صعودها لتغدو القوة الأعظم في العالم.

إن المؤلف الذي بحث في كتاباته عن العلاقة بين التجارة غير المشروعة وتكوّن الأمم، يرى أن الصدامات الكثيرة والعنيفة التي جرت بين المهرّبين والسلطات الجمركية الإنجليزية، لعبت دوراً كبيراً في انطلاق حرب التحرير الأميركية ضد الاستعمار البريطاني. وبهذا المعنى، يقدّم تفسيراً جديداً لحرب الاستقلال، يؤكّد فيه وجود عوامل أخرى، إلى جانب شعارات الحرية وأفكار الثورة الفرنسية وعصر التنوير.

يشرح أندرياس أن لأميركا تاريخاً طويلاً في مجال عمليات «الاستيراد غير المشروع». ويحدد القول، إنه منذ القرن الثامن عشر جرى استقدام عصير قصب السكّر من منطقة الأنتيل، وهو الضروري من أجل عملية تقطير شراب «الروم»، والذي دخل في «دورة التجارة المثلّثة» عبر الأطلسي.

كذلك استقدام «بودرة البارود من هولندا في القرن التاسع عشر». وفي بدايات القرن الـ20: التكنولوجيا الصناعية البريطانية، العبيد من القارة الإفريقية، الكحول من كندا. ثم في الفترة الحديثة: العمّال المكسيكيون، الكوكائين الكولومبي.

 يوضح مؤلف الكتاب، أن التهريب والتجارة غير المشروعة كانا من أقدم المهن في التاريخ الإنساني الحديث. ذلك أن السلطات السياسية حاولت باستمرار أن تحمي حدودها وتحكم السيطرة عليها. وبالمقابل حاولت شبكات التهريب والجريمة، أن تخترق تلك الحدود وتتجنّب دفع الرسوم الجمركية وتمرر السلع المهرّبة. ويشرح المؤلف كيف أن مثل تلك الممارسات غير المشروعة كانت من السمات الدائمة في التجربة الأميركية، منذ الحقبة الاستعمارية.

إن سلسلة طويلة من الأمثلة يقدمها المؤلف للتدليل على أن التهريب والتجارة غير المشروعة كان لهما دور مهم في رسم مسار التطوّر الذي عرفته الولايات المتحدة الأميركية، يوازيان في أهميتهما العوامل الأخرى التي يذكرها المؤلفون عادة، مثل: المبادئ السياسية التحررية للآباء المؤسسين أو إرث الحدود.. أو مقولة «الاستثناء الأميركي».

ويشرح أندرياس، كيف أن المواقف الرسمية الأميركية حيال التجارة غير المشروعة، تغيّرت مع صعود القوّة الأميركية إلى مصاف قوّة عالمية.

وخلال العقود الأولى بعد الاستقلال، لم تغضّ النظر عن التجارة المشروعة فحسب، بل إنها شجّعت الأميركيين على خرق إجراءات الحظر التي ضربتها بريطانيا حول الأسرار الصناعية، وحول تصدير الآلات المتقدّمة. لكن هذا لا يمنع واقع أن أميركا التي غدت قوّة اقتصادية عالمية، أصبحت المدافع الأوّل على صعيد العالم، عن حقوق الملكية الفكرية.

وفي العموم، يحكي الكتاب عن تاريخ أميركا انطلاقاً من وقائع وأحداث، بعيداً عن رسم صورة مضيئة مزدانة بالشعارات والمبادئ.a

 المؤلف في سطور

 بيتر أندرياس. كاتب سياسي أميركي. يعمل أستاذاً في جامعة براون. وهو أستاذ العلوم السياسية والدراسات الدولية في معهد واتسون. كما أنه أحد الباحثين في معهد بروكينز. يسهم في الكتابة للعديد من الصحف، خاصّة في: «واشنطن بوست». وهو متخصص في مسائل التداخل بين الأمن والاقتصاد السياسي والجريمة المنظّمة «العابرة للحدود». من مؤلفاته: أصحاب القبعات الزرقاء والأسواق السوداء، ألعاب الحدود بين الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك.

 الكتاب: بلاد مارست التهريب.. كيف ساهمت التجارة غير المشروعة في صنع أميركا؟

تأليف: بيتر أندرياس

الناشر: جامعة أكسفورد 2013

الصفحات: 472 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Smuggler nation

Peter Andreas

Oxford University Press ذ 2013

472 pp.