الهروب من الجبهة أثناء الحروب، ظاهرة معروفة في التاريخ الإنساني. واسباب الهروب عديدة ومتنوّعة. الكاتب شارل غلاس، يناقش القضية، في كتاب بعنوان: "الهاربون من الجبهة"، ليسرد القصة غير المحكيّة للحرب العالمية الثانية"، كما جاء في العنوان الفرعي. وهو يستعيد بعض الصور التي عرفها المقاتلون أثناء الحرب العالمية الثانية التي انطلقت من القارة الأوروبية عام 1939، واستمرّت حتى عام 1945 .
إنها حكاية الحرب من خلال قصّة ثلاثة شبان أميركيين كانوا قد خاضوها كجنود في سلاح المدفعية: ستيف ويس- من حي بروكلين في الولايات المتحدة-، الفريد وايتهيد -القادم من الشرائح الأكثر فقرا في أرياف ولاية تينيسّي في أميركا-، جون بين- الإنجليزي الذي غدا شاعرا في ما بعد.. وكان أبوه من قدماء المحاربين أيضا في الحرب العالمية الأولى.
هؤلاء الجنود الثلاثة، كانوا قد تركوا مواقعهم على الجبهة لأسباب تجد جذورها في أعماقهم. عاشوا كل أشكال الرعب ومارسوا كل الأفعال التي تعرفها الحروب، وبحثوا عن المرأة أثناء الإجازات القصيرة التي كانوا يقضونها في المدن القريبة، وأخذوا نصيبهم من الغنائم في المدن التي حرروها، وعاشوا باستمرار مشاعر الخوف الرهيبة لاحتمال "موتهم" في الأيام القادمة.
يروي مؤلف الكتاب، بالتفاصيل، كيف عاش الجنود الهاربون بعد تركهم لمواقعهم على الجبهة، ابتداء من وسائل النقل المختلفة التي أقلّتهم في اتجاه الابتعاد عن الجبهة. وكيف أنه بمقدار ما كانوا يبتعدون عن أصوات المدافع، كان حذرهم يتزايد حيال من يقابلون. ذلك خاصّة أن مواطنيهم واجهوهم بحذر مقابل، وبعدم فهم سلوكهم، من دون السؤال عن الدوافع.
انتهى الأمر بالهاربين الثلاثة، في قبضة الشرطة العسكرية. فأودعوا السجن. السجانون كان همّهم الأول والأكبر، أن يقتلوا فيهم كل حس بالمقاومة أو الإحساس أن لهم ما يستطيعون التعبير عنه من مشاعر. هذا فضلا عن التهديد المستمر أنه سيتم إعدامهم بعد حين. وفي ما هو أبعد من حالة الجنود الهاربين الثلاثة، ومن خلالهم، يستعرض المؤلف سياسات الدول حيال الهاربين من جبهات القتال. وهكذا نعرف أن البريطانيين أحصوا خلال الحرب العالمية الثانية، 100000 جندي بوصفهم هاربين. والأميركيين 40000 جندي.
ومن الأسباب الرئيسية التي يؤكّد عليها المؤلف، في ما يتعلّق بهرب الجنود في معسكر الحلفاء، خلال الحرب العالمية الثانية، يعيدها الى سوء المنظومة التي تبنتها القيادة في مجال تناوب المقاتلين على الجبهات، حيث كان الجنود يصابون بانهاك كبير . يضاف إلى هذا، واقع أن اكثر الضباط كانوا يفضلون البقاء في الصفوف الخلفية، ويتركون الجنود الشباب يتلقون الصدمات الأولى من جنود العدو.
الكتاب في العموم، هو بحث آخر عن الحرب العالمية الثانية، من زاوية أولئك الذين فروا من جبهات القتال، مفتشا عن الأسباب التي كانت وراء قراراتهم ترك مواقعهم، وما ترتب على ذلك. والمؤلف في هذا المنحى، يسطر صفحات موسعة، عن جوانب انسانية عديدة، في ساحات القتال، ويبين فيها كيف أنه يمكننا ان نعلل ونبرهن للبعض من المقاتلين، خياراتهم الانسحاب من ساحات القتال. وهو لا يسوق مبررات بالخصوص، إلا من منطلق إنساني خالص.
المؤلف في سطور
شارل غلاس. صحافي بريطاني. كان قد عمل مراسلا، خلال سنوات 1983 ـ 1993، لإذاعة "إي بي سي" في الشرق الأوسط وإفريقيا والبلقان . يسهم بالكتابة في العديد من الصحف والمجلات، مثل مجلة "هاربر". قدّم عددا من الكتب، بينها: أميركيون في باريس.
الكتاب: الهاربون من الجبهة
تأليف: شارل غلاس
الناشر: بنغوان برس- لندن 2013
الصفحات: 400 صفحة
القطع: المتوسط
Deserters
Chqrles Glass
Penguin Pressذ London-
400 pp.
