"كهنة العلم الكبار" مطالبون بالتخلي عن أوهام الحضور الكامل والشامل للعلوم وعن النزاعات المادية الجامدة

من الأفكار التي شاعت، مع اتساع دور العلم في حياة البشر بعد الثورة الصناعية والعلمية الكبرى، أنه يمكن السيطرة على كل شيء بواسطة العلم. لكن ذلك الاعتقاد كان من ضرب الأوهام، هذا ما ردده كُثر، إلا أنه من المهم سماع مثل هذا القول من رجل علم من وزن روبرت شيلدراك الذي يكرّس كتابا أخيرا له لـ"أوهام العلم"، كما يقول عنوانه.

ما يؤكده مؤلف الكتاب، منذ البداية، هو أن العلم لا يمتلك إجابات على كل شيء. بل لا يمتلك إجابات على مسائل تبدو في غاية البساطة. فمثلا، لماذا يحسّ الإنسان في لحظة ما، أن هناك من يراقبه؟ ولماذا تتوصل بعض الكلاب إلى توقع العودة القريبة لصاحبها؟

ما يؤكده المؤلف في تحليلاته، هو أن العلم "الميكانيكي" لا يمتلك إجابات عن مثل هذه الأسئلة. لكن هذا لا يمنع واقع أن العلم لا يزال يسيطر على أذهان البشر.

لا يتردد مؤلف الكتاب في التأكيد على أن أساس عدد عام من البراهين التي يقدمها، أن "المقولات المادية البحتة" تنتمي في واقع الأمر إلى إيديولوجية أصابها التجمّد. وأنه ينبغي بالتالي، على "كهنة العلم الكبار"، أن يتخلّوا عن أوهام الحضور الكامل والشامل للعلوم وعن النزاعات المادية الجامدة، والتأكيد بالمقابل، على أنه ينبغي على أهل العلم الانفتاح على أفكار جديدة.

يحدد شيلدراك القول ان العاملين في حقل العلوم يعتمدون عددا من الأفكار التي غدت بالنسبة لهم، في مصاف "المسلمات الصحيحة التي لا تحتمل الشك". وأنها أصبحت بمثابة مكتسبات نهائية. وفي عداد هذه الأفكار، القول ان "قوانين الطبيعة ثابتة ومحددة ولا تقبل التغير والتبدل"، وأن "جميع الإرث البيولوجي للكائنات الحية يعود إلى بنى مادية، مثل الجينات وغيرها من المورثات".

وأن "الطبيعة لا هدف لها بذاتها". كل فكرة من هذه الأفكار، تشكل موضوع بحث في الكتاب، واحيانا، يكرس لها فصل كامل. إذ يحاول المؤلف- رجل العلم، أن يلفت الانتباه إلى وجود "إشكاليات غير محلولة"، بل وهناك في كل منها "معضلات غير قابلة للحل بواسطة العلم". هذا رغم إشارة المؤلف إلى أن العاملين في حقل العلم يعتقدون، بأغلبيتهم الساحقة، أنه سيحدث ذات يوم، التوصّل إلى حلول.

إن المؤلف يذهب في اتجاه معاكس، مؤكّدا أن جميع المشكلات والمعضلات التي تبرز في هذا المشرب العلمي أو ذاك، هي بمثابة "أعراض لعلّة أكثر عمقا". وأن الفشل الذي يواجهه النموذج الموديل- المادي في الفكر في مجال الوفاء بالوعود التي كان قد قطعها العاملون فيه على أنفسهم، سيؤدي، أي الفشل، إلى زوال المشرب العلمي المعني، في نهاية المطاف.

ومن خلال البحث في سلسلة طويلة من المشكلات والمعضلات التي تجري مواجهتها في مختلف الميادين العلمية، يصل المؤلف إلى القول، ان الطريقة المادية والميكانيكية المعتادة لتصوّر العالم الذي نعيش فيه، ولآليات عمله، تعتمد على مجموعة من "المفاهيم المشوّشة".

وأنها غدت تنتمي إلى الماضي. يشير إلى أنه إذا كان بالإمكان مواجهة المشكلات الصغيرة بوسائل علمية، فإن الأمر يختلف عند الخوض في مسائل كبرى، مثل العلاقة بين الجسد والروح والمسائل المتعلقة بالوعي. وحيال مثل هذه المسائل لا يزال ينظر الى المادة على الطريقة التي كانت سائدة في القرن السابع عشر، أو قبل ذلك.

 المؤلف في سطور

 روبرت شيلدراك. باحث بريطاني في علوم الحياة البيولوجيا-. ألف العشرات من الدراسات والكتب العلمية. درس في جامعة كمبردج. وأكمل دراساته العليا في الفلسفة وتاريخ العلوم بجامعة هارفارد. من مؤلفاته: ذاكرة الكون"، روح الطبيعة، علوم الحياة الجديدة.

 الكتاب: أوهام العلم

تأليف: روبرت شيلدراك

الناشر: كورونيت بوك- لندن 2012

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

The science delusion

Rupert Sheldrake

Coronet Books ذ London ذ 2012

400 pp.