ميشيل دو مونتين، هو أحد الآباء المؤسسين للفكر والفلسفة في فرنسا. عاش في القرن السادس عشر (1533 ـ 1592 )، لكن ما يزال كّثُر يعتبرونه صاحب فكر مجدد ومتجدد. من بين هؤلاء: انتوان كومبانيون، الأستاذ في "الكوليج دو فرانس"، أرفع مؤسسة علمية فرنسية. وهو يكرّس له كتاباً، بقي حتى اليوم، في عداد قائمة الكتب الأكثر انتشاراً في فرنسا خلال صيف هذه السنة، وذلك اعتباراً من مطلع شهر يونيو الماضي. وعنوان الكتاب "صيف مع مونتين".

تتوزّع مواد هذا الكتاب في أربعين فصلاً تتسم بعدد صفحات قليلة ـ أربع صفحات تقريباً ـ بحيث يقدّم المؤلف في كل منها فكرة سريعة ومكثّفة عن أحد مظاهر عبقرية مونتين وحداثة فكره. وفكرة الكتاب نفسه كانت نتيجة لتكليف إذاعة "فرانس انتير" لمؤرّخ الأدب ـ مؤلف هذا الكتاب، تقديم برنامج يومي خلال صيف عام 2012 لمستمعيها، بحيث يتعرّض كل يوم لأحد "الجوانب التاريخية وللحضور الفكري الحالي" في عمل شارل دو مونتين الشهير، المكوّن من جزأين تعت عنوان: "محاولات" أو "مقالات".

ومن خلال الغوص في تلك الكتابات، يبيّن المؤلف أن مونتين قدّم "طريقة في العيش" أكثر من ما قدّم نظرية فلسفية. والسؤال الأساسي الذي يطرحه المؤلف، يصوغه بالشكل التالي: لماذا يبدو لنا مونتين حديثاً إلى درجة كبيرة؟

الإجابة الأولى على مثل هذا السؤال يحددها المؤلف بكون مونتين كان يتحدث عن كل المواضيع الخاصّة بالإنسان وبصراحة مطلقة، ومن دون أيّة مواربة أو استبعاد بعض المسائل. ويوجز المؤلف نظرة مونتين للإنسان بالقول: إن كل إنسان يجسّد تجربة الإنسانية مجتمعة. والتأكيد في هذا السياق على أنه أحدثت أفكار مونتين تأثيراً كبيراً على أعمال مفكرين كبار لاحقين، ليس أقلّهم شأناً فريدريك نيتشه وفرجينيا وولف.

ويشير كومبانيون إلى أن مونتين كان قارئاً نهماً للكتب وللتعليق عليها، لكن "إذا كان مونتين ينظر إلى نفسه من خلال الكتب، وإذا كان يعلّق عليها، فإن ذلك لم يكن من أجل إعطاء نفسه قيمة أكبر، ولكن لأنه كان يجد ذاته فيها"، كما نقرأ. ويشرح المؤلف أيضاً، "أنماط العلاقات الثلاث" التي احتلّت قسماً كبيراً من حياة مونتين، مبيناً أنه كان مأخوذاً بـ : النساء الجميلات والشريفات، الصداقات النادرة والرائعة، الكتب التي كان يعتبرها أكثر فائــدة وأكثر سلاماً من النمطين السابقين.

ومن السمات التحررية لدى شارل دو مونتين التي كانت تقرّبه الى الحداثة، يحدد المؤلف احترامه لعقل المرأة. ويكرّس عدداً من صفحات كتابه ـ فصلاً ـ للتأكيد أن مونتين كان من أنصار حقوق المرأة في القرن السادس عشر الذي لم يكن على نفس الموجة من حيث النظرة لمكانة المرأة.

ويروي كومبانيون، أن مونتين التقى عام 1562 في مدينة روون الفرنسية، بثلاثة هنود من المستوطنة الفرنسية في خليج ريو دي جانيرو، أحضروا إلى قصر الملك شارل التاسع، البالغ من العمر آنذاك، تسع سنوات. وبعد لقاء الملك بهم، تحادث معهم مونتين طويلاً.

وينقل المؤلف عن مونتين استغرابه الكبير في إحدى مقالاته عن السب الذي دعا أولئك الرجال الثلاثة، المسلّحين، الذين يوحي مظهرهم بنضوجهم وصلابتهم، إلى قطع طريق طويلة جداً للامتثال بين يدي طفل في التاسعة من عمره.

المؤلف في سطور

 انتوان كومبانيون، مؤرّخ للأدب وأستاذ في "الكوليج دو فرانس"، أرفع مؤسسة علمية في فرنسا، وذلك بعد أن درّس مادة الأدب الفرنسي في جامعة السوربون عدّة سنوات. وكان قد عمل أستاذاً للأدب الفرنسي في جامعة كولومبيا في نيويورك. وهو أحد أبرز المتخصصين الفرنسيين بالكاتب مراسيل بروست. من مؤلفاته: بروست..الذاكرة والأدب، تناقضات الحداثة الخمس، الجمهورية الثالثة للآداب.

 الكتاب: صيف مع مونتين

تأليف: انتوان كومبانيون

الناشر: اكواتور باراليل . باريس ـ - 2013

الصفحات: 174 صفحة

القطع: الصغير

 

 

Un été avec Montaigne

Antoine Compagnon

Equateur Parallèle . Paris- 2013

174 pp