من المعروف أن ثورات الإنتاج في الماضي، مثل الثورة الصناعية الكبرى التي عرفت أوج ازدهارها في القارّة الأوروبية منذ قرنين من الزمن، كانت تزيد عامة، من ثروات البشر في عصرها، كما كانت توسّع من هامش حريتهم. فهل الأمر مختلف بالنسبة للثورة الرقمية التي تعيشها الإنسانية منذ عقود قليلة؟ الفيلسوف والباحث في مسائل الثورة الرقمية وأحد العاملين البارزين في صناعتها، جارون لينير، يؤكّد أنها مختلفة، وذلك بكتاب يحمل عنوان «لمن يعود المستقبل؟».
يحاول جارون لينير في هذا العمل، أن يشرح آلية عمل المفاهيم الجديدة للقوّة، وكيف جرى تصميمها وعملية السيطرة عليها. لكنه يؤكّد منذ البداية أن الثورة الرقمية الحالية أدّت إلى انهيار مستوى معيشة الكثير من البشر. وبدلاً من أن تزيد التكنولوجيات الرقمية من ثروات الجميع، وتحسّن مستوى معيشتهم وتجعلهم بصحّة مالية جيّدة، ركّزت الثروات لدى الشركات والمجموعات التي تهيمن عليها، وقلّصت بالتالي، من هامش النمو. وقللت من إمكانات العيش كما في الماضي، لدى أعداد متزايدة من البشر.
يشرح المؤلف أنه إذا كان لمحرّك البحث «غوغل» أو لـ«فيسبوك»، قيمة. فإن ذلك يعود إلى كون المليارات من البشر يُدخلون المعطيات المتوافرة على شبكة الإنترنت بحواسيبهم من دون أي مقابل. لكن المشكلة، كما يحددها المؤلف، أن هذه المليارات هي التي تسهم في زيادة «القيمة المضافة» للشركات والمجموعات التي تستفيد من دراسة المعطيات وتحليلها، من غير أن يحصل مستخدمو الإنترنت على أيّة فائدة من استغلال معطيات هم في أصلها. ولا يتردد في المطالبة بطرق لتعويض أصحاب المعطيات عندما تتحوّل إلى أنظمة معلوماتية. وأحد الأفكار التي يقترحها، إيجاد هوية رقمية كونية ـ عالمية، تحفظ لصاحبها حقوقه.
لكن التحدي الحقيقي، كما يشرح المؤلف، يكمن في واقع أن البشر العاديين من مستخدمي الإنترنت، لا يفهمون دائماً، مدى قيمة المعطيات التي هم مصدرها. بل على العكس، يرى أن هؤلاء البشر يعتبرون أنهم يتلقون خدمات كبيرة بلا ثمن، أو ربما بثمن زهيد، وهذا يعني أنهم يمارسون «تجارة عادلة» يستفيدون معها من الخدمات المقدّمة لهم، مقابل معطيات شخصية.
يرى لينير، أن الآلية ذاتها، ربما تصبح ممارسة شائعة في عدد من الميادين الأخرى، مثل الطب أو قطاع النقل. وبالتالي فإن النتيجة بالضرورة، زحف آخر لصناعة المعلوماتية سيوظف مادياً لصالح بعض الشركات والمجموعات، التي ستحتكر استخدام أنظمته الرقمية. والنتيجة المقابلة، أن عدداً كبيراً من البشر العاملين، سيفقدون فرص عملهم.. ومن ثم سبل عيشهم. ومثل هذه الآلية سيترتب عليها تغيّر كبير في البنية المجتمعية، وربما الاختفاء الكامل للطبقة الوسطى.
يشرح المؤلف، أنه من خلال عمله في عالم صناعة التكنولوجيا الرقمية العليا، سمع الكثير من الأحاديث عن خلق ما سيزيد من سعادة العالم ورفاهيته، لكنه عندما نظر إلى الواقع، رأى أن ذلك صحيح بالنسبة للبعض من الذين يهيمنون على تلك الصناعة، وليس بالنسبة للسواد الأعظم من البشر الذين «يغرقون أكثر فأكثر». كذلك يرى أن هناك مشكلات كثيرة ترتسم في الأفق غير البعيد.
المؤلف في سطور
جارون لينير. فيلسوف وباحث في مجال المعلوماتية وتأثير التكنولوجيا المتقدمة في حياة البشر. وهو مصنّف في عداد المخترعين الـ300 الكبار في التاريخ، حسب الموسوعة البريطانية «إنسكلوبيديا بريتانيكا»، واعتبره بعض النقاد أحد أفضل مائة مفكر معاصر. لقي كتابه الأوّل «أنتم لستم لعبة»، ترحيباً كبيراً، على أساس أنه يدافع عن الإنسان في مواجهة الآلة.
الكتاب: لمن يعود المستقبل؟
تأليف: جارون لينير
الناشر: سيمون وشستر ــ نيويورك ــ 2013
الصفحات: 416 صفحة
القطع: المتوسط
Who owns the future?
Jaron Lanier
Simon and schusterذ New York ذ 2013
416 pp.
